وليس إنكار اليهود حجة على القرآن ، وليس عدم ذكر هذه القصة في التوراة حجة على القرآن كذلك . . وذلك :
1 - أن القرآن مصدّق للكتب السابقة - ومنها التوراة - ومهيمن عليها . . فهي جميعها تبع له ، وليس هو تابعا لها . .
2 - أن التوراة قد دخلها كثير من التحريف ، والتبديل ، والحذف ، والإضافة . . وقد ذهب بهذا ما لها من حجة على أنها هي كتاب اللّه ، الذي يلتزم المؤمنون بكل ما جاء فيه . .
3 - ليس كل ما جاء في القرآن عن موسى وقومه قد ذكرته التوراة ، وما ذكرته التوراة لا يتفق أكثره مع ما جاء في القرآن . . ومن ثمّ فلا وجه لاختصاص هذه الحادثة بالإنكار . . من جهة اليهود . . فقد أنكروا كثيرا مما جاء في القرآن من أحداث ، بل لقد أنكروا ما هو موجود فعلا في التوراة مما تحدّث به القرآن من رجم الزاني ، وقد أشرنا إلى هذا عند تفسير قوله تعالى :
« وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ »
( 43 : المائدة ) . وأكثر من هذا ، فإنهم أنكروا ما في التوراة من وصف لرسول اللّه ، كما يقول تعالى :
« الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ »
( 157 : الأعراف ) 4 - هذه الحادثة أمر خاص بموسى ، ودرس من دروس العلم العالي ، الواقع على مستوى فوق مستوى الحياة الإنسانية . . وهو حدث يمكن أن يقع لموسى ، أو لغيره من الناس ، نبيا كان أو وليّا من أولياء اللّه ، أو عبدا من عباده الصالحين . . ومع هذا ، فإن ذكر « موسى » مجردا من كل صفة ، لا يعنى إلا موسى الذي له ذكر في القرآن . .
وثانيها : هذه المقدّمة التي تمهد بها الآيات القرآنية لهذا اللقاء ، الذي وقع بين موسى والعبد الصالح ، يثير بعض التساؤلات ، كأن يقال :
ما داعية هذا الحوار الذي بين موسى وفتاه ؟ وما شأن هذا الحوت ؟