تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 754

مساهمون:

ص٧٥٤
المتعلمين والعلماء ، وتجتمع عليه أنظار العامة والفلاسفة ، بحيث يجد فيه كل عقل ما يغنيه ويرضيه ، ويأخذ منه كل نظر ما يرشده ويسعده . . هكذا دائما آيات اللّه المبثوثة في هذا الوجود ، ممّا يمسك على الناس حياتهم ، ويحفظ وجودهم ، لا تقصر عنها يد ، ولا يستأثر بها إنسان دون إنسان ، أو تختص بها جماعة دون جماعة ، أو أمة دون أمة . . إنها من اللّه ، ولعباد اللّه . . كالماء والهواء ، والشمس ، والقمر ، والنجوم . . وإن كان لأحد أو لجماعة أو أمة نصيب أوفر ، أو حظ أعظم ، فهو مما زاد الحاجة التي لا تتطلبها ضرورات الحياة ، وإن كان فيها متعة فوق متعة ، ورضى فوق رضى . . فصاحب النظر الحديد يرى من جمال الوجود وروائع آياته ما لا يراه صاحب النظر الكليل ، وصاحب الشمّ السليم ، يجد من طيب الزهر وعبيره ، ما لا يجده المزكوم . . ومثل هذا تماما ، موقف الناس جميعا أمام القرآن الكريم ، وما تحمل سوره من آيات اللّه البينات . . الناس كلهم بين يديه - على اختلاف حظوظهم من العلم والمعرفة - على مائدة طيبة ، طعامها هنيء لكل عقل ، وشرابها مريء سائغ لكل قلب . . من طعم منها لا يجد الجوع العقلي أبدا ، ومن روى منها لا يعرف الظمأ الروحي أبدا . . وتلك هي معجزة القرآن القائمة على الناس أبد الدهر ، وتلك هي حجة اللّه على من أخلى عقله وقلبه من الدين ، أو دان بغير دين الحق ، دين اللّه ، الذي ارتضاه لعباده . . كما يقول الحق جلّ وعلا :
« وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ »
وكما يقول سبحانه :
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً »
. إن الأيام ستثبت صدق هذه الدعوى التي ندعيها لعالميّة الإسلام ، لأننا لا نقيم هذه الدعوى على عاطفة دينية نحو الدّين الذي ندين به ، وإنما نقيمها على
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 754 | عبد الكريم الخطيب