تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 737

مساهمون:

ص٧٣٧
للدين الحق ، دين اللّه ، دين الإسلام . وهذا هو السرّ في الإبقاء على أهل الكتاب حين يقعون ليد المسلمين ، وصيانة دمهم من القتل ، وقبول الدّية منهم . . فإن هذا التدبير إنما غايته هو وضع أهل الكتاب في هذا الامتحان ، وتلك التجربة . . ولقد أثمر هذا الامتحان ونجحت تلك التجربة ، فإنه ما من أحد من أهل الكتاب ، دخل في هذا الامتحان وعاش تلك التجربة ، وأخذ مكانه مع المسلمين على هذا الوضع ، حتى وجد الفرصة سانحة ، والوقت متسعا ، للبحث والنظر في معتقده ، والمعتقد الذي يدعى إليه . . وكان من هذا أن دخل في الإسلام ، وآمن به عن اختيار واقتناع . . ومن بقي على دينه من أهل الكتاب - وهم قلة شاذة - فقد كانت آفة ذلك إلى تعصب أعمى ، وانقياد لهوى جامح ، لا يمسكه عقل ، ولا يردّه رأى ! فلم تكن الجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب ضربا من التحكم ، ولا نزعة من نزعات القهر والتسلط ، وإنما هي - كما رأينا - دعوة حكيمة من دعوات الإسلام إلى الإيمان باللّه ، وأسلوب من أساليبه المحكمة ، في فتح الأبصار المغلقة ، إلى النور ، ولفت العقول الشاردة ، إلى الهدى ، وإيقاظ القلوب الغافية ، لاستقبال آيات اللّه وكلماته . . ولو كان من شأن الإسلام التسلط والقهر ، والعدوان والبغي ، لأخذ أهل الكتاب الذين وقعوا ليده ، ونزلوا على حكمه ، بما أخذ به الكافرين والمشركين ، ولما قبل منهم إلّا الإيمان أو القتل ، ولما استبقاهم ابتغاء إصلاحهم ، وشفائهم ممّا ألمّ بهم ، من زيغ في العقيدة ، وضلال في الدين . . فالجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب ، هي دواء لداء ، واستطباب لعلّة ، وعملية جراحيّة لاستئصال مرض قاتل . . وإنه لا بأس من أن يكون الدواء مرّا ، إذا أنمر ثمرته في شفاء الداء .