تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
والمعنى : أن هؤلاء الذين أكلوا الرّبا إنما صار حالهم إلى ما هو عليه من السوء والبلاء بسبب غفلتهم ، وسوء تقديرهم ، واغترارهم بظاهر الأمور ، حتى حيّل إليهم أن التعامل بالرّبا لا يعدوا أن يكون من باب البيع ، وأنه كما يشترى المشترى السلعة بالثمن الذي يتفق عليه بالتراضي مع البائع ، كذلك يشترى المقترض بالرّبا المال الذي اقترضه بالثمن الذي يتفق عليه بالتراضي مع المقرض . ! ! هكذا يركب الإنسان طرق الشرّ ويأكل ما يلقى فيها من خبيث الطعام ، وهو يحسبه الطيب الهنيء المريء ، ثم لا يقف عند هذا ، بل يتكلّف له المبرّرات والمسوّغات . وقولهم :
« إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا »
جاء على غير المألوف المتوقع ، وهو أن يقولوا : « إنما الرّبا مثل البيع » إذ أنهم إنّما قبلوا الرّبا ، ورضوا بالتعامل به ، قياسا على أصل قاسوه عليه ، وهو البيع ، فكان عليهم أن يقولوا لأنفسهم ، أو لمن يسفّه عملهم هذا : إنما الربا الذي يلام عليه ، أو يحذّر عاقبته ، هو مثل البيع الذي لا ينكره أحد ، ولا يحذّر منه أحد » . وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم يكشف عن مدى ما يفعل السوء بأهله حين يستبد بهم ، ويفسد عليهم أمرهم ، حتى لتنقلب عندهم أوضاع الأمور ، وتختل موازينها في تفكيرهم ، فيبدو الشر حسنا ، والقبيح جميلا . . فهم هنا يرون الرّبا الذي يتعاملون به أصلا يقاس عليه البيع ، على حين أنهما من واديين مختلفين ، وإن يكن ثمة قياس ، فالبيع هو الأصل الذي تقاس عليه الصور المشابهة له ! وقد ردّ اللّه عليهم هذا القول ، وأبطل هذا الادعاء الذي ادّعوه ، فقال تعالى :
« وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا »
فإنه إذا كان ثمة تقابل بين البيع والربا في ظاهر الأمر ، فإنهما في الحقيقة ضدان لا يلتقيان أبدا . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 355 | عبد الكريم الخطيب