تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
ووقعوا في شباكه ، كما يقع الفراش في النار ، وهو يرقص على ضوئها الذي خيل إليه أنه مطلع فجر جديد . فالمرابى شيطان يتسلط على المتعامل معه ، فيصاب منه بالخبل والاضطراب ، كما يصاب الممسوس من الشيطان بالتخالج والتخبط . من هذا كله نرى أن ما ذهبنا إليه من أن
« الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا »
هم الذين يقترضون بالرّبا من المرابين ، وليسوا هم المرابين ، كما ذهب إلى ذلك المفسرون . وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه يجعل الآية الكريمة غير منسوخة ، كما يقول ذلك المفسرون بإجماع ، وإنما هي لتقرير حكم خاص بطرف من أطراف العملية الربوية ، وهو الطرف المقترض ، لا المقرض . . أما المقرضون بالرّبا فسيجىء بعد ذلك الحكم الخاص بهم ، في قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. وأما تقديم المقترضين بالربا على المقرضين به في مجال التشنيع على الرّبا ، والتهديد للمتعاملين به ، فذلك لأن المقترض - كما قلنا - هو الذي بيده مفتاح هذه العملية ، وأنه هو الذي يطرق باب المرابى . وبتلك الطرقات يفتح الباب ، وتتم الجريمة . . ولو أمسك المقترضون عن التعامل بالرّبا لما وجد المرابون سوقا رائجة يتعاملون معها . فكان تقديم الحديث إليهم في هذا الموقف هو من مقتضيات الحكمة والبلاغة معا . قوله تعالى :
« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا »
القول هو قول آكلي الرّبا ، وهم المقترضون ، والإشارة ب « ذلك » إشارة إلى تلك الحال التي لبست آكلي الرّبا ، وما صار إليه أمرهم بعد أكله ، حتى أصبحوا كمن يتخبطه الشيطان من المسّ .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 354 | عبد الكريم الخطيب