تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
أو يضيقون بها ، حتى لكأنهم يرون أن ما يبسطه اللّه من رحمة ورضوان لعباده إنما هو مقتطع مما يمنّون أنفسهم به عند اللّه . . وأنّه كلما كثرت أعداد المقبولين عند اللّه ، والداخلين في رحمته - تحيّف ذلك من نصيبهم ، وأخذ الكثير من حظهم . . وهذا - لا شك - سوء ظن باللّه ، وعدوان على مشيئته ، شأنهم في هذا شأن بني إسرائيل ، الذين أكل الحسد قلوبهم أن ينال أحد من من اللّه خيرا غيرهم ، كما قال تعالى فيهم :
« أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ »
( 54 : النساء ) وكما قال فيهم أيضا :
« قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ »
( 100 : الإسراء ) . وقوله تعالى :
« الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ »
صفة من صفات المتقين . . فمن شان التقوى أن تقيم في كيان الإنسان عواطف الرحمة والإحسان ، فلا يمسك صاحبها خيرا لنفسه خاصة ، بل إن كل ما في يده هو له وللناس . . فهو ينفق منه في كل حال . . في يسره وعسره ، في سرّائه وضرّائه ، وفي سرّاء الناس وضرائهم ، لا يمنع فضله عن طالبه أبدا ! وقوله تعالى :
« وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »
بيان للصفات المكملة للتقوى ، المجمّلة للمتقين ، فمن اتقى اللّه ، كان رحيما بالناس ، حدبا عليهم ، يلقى إساءتهم بالصفح والمغفرة ، فلا يصل إليهم منه أذى ، بيد أو لسان . . والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس ، هم وإن كانوا في المتقين المحسنين ، إلا أنهما درجتان في الإحسان والتقوى . . فالكظم درجة ، والعفو درجة أعلى من تلك الدرجة . . فالذي تلقّى الإساءة وهو قادر على مقابلتها بمثلها ثم أمسك عن الردّ ، وكظم في نفسه ما أثارته الإساءة في مشاعره من غيظ ونقمة ، هو على درجة من التقوى والإحسان . . أما إذا ذهب إلى أكثر من