تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
وقوله تعالى :
« مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ »
حالان لنائب الفاعل للفعل « وضع » أي وضع البيت مباركا وهدى للعالمين . وقوله تعالى :
« فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ »
بيان للبركة التي شملت هذا البيت ، وللهدى الذي يفيض على الناس منه . . وتلك الآيات كثيرة . . منها أنه كان أقدم بنيّة للّه على هذه الأرض ، ومع ذلك ظل محتفظا بوجوده ، لم تذهب به الأحداث ، ولم يأت عليه الزمن كما أتى على آثار الأولين ، وعفّى على كل معلم من معالمها . . أما هذا البيت فهو أقدم معلم على هذه الأرض ، ومع ذلك فهو لا يزداد مع الأزمان إلا وضوحا ورسوخا . . حتى في عهود الضلال والوثنية . . كان له في قلوب الوثنيين وفي عقولهم من الإجلال والتقديس ما له في قلوب المؤمنين وعقولهم ؛ من إجلال وإكبار وتقديس ! ومن الآيات القائمة فيه ، أنه كان ولا يزال أبدا حرما آمنا ، يجد عنده من يلوذ به من إنسان وحيوان وطير ، الأمن والسلامة ، فلا تمتد إليه يد بأذى ولا يناله أحد بمكروه ، توقيرا لهذا البيت ، وتكريما لمقامه الكريم . . حتى إن أشدّ الناس فتكا ، وأقساهم قلبا ، وأكثرهم إضرارا بالناس وأذى ، لا يجد في نفسه القدرة على انتهاك حرمة هذا الحرم . . بل إنه سرعان ما يستولى عليه شعور الأمن والسلام ، وإذا هو أمن وسلام ، مع المؤمنين السالمين ، في جوار الحرم الأمين . ومن الآيات البينات في هذا البيت أنه لا يزال أبدا مهوى الأفئدة ، ومجتمع الحجيج من مختلف الأمصار والأجناس والألسنة ، حتى إذا صارت إليه هذه الألوان المختلفة من الناس ، أحالها لونا واحدا ، وأوردها مشربا واحدا ، وجمعها على أمر واحد ! . وقوله تعالى :
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ »
هو خبر يراد به الأمر ،
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 535 | عبد الكريم الخطيب