كلام المسيح في المهد
ذكر القرآن الكريم ، في أكثر من موضع ، أن المسيح - عليه السلام - تكلم في المهد ، وذلك ، ليكون آية على طهر أمه وعفافها ، وبراءة عرضها من أن يعلق به شئ مما تلوكه الألسنة ، وتوسوس به الظنون ، في حال كحال مولود يولد من غير زواج معترف به شرعا ، أو عرفا ! ففي البشارة الأولى التي تلقتها مريم من السماء ، يكشف لها الوحي ، عن وجه هذا الغلام ، الذي ستلده العذراء هذا الميلاد العجيب ، الذي لم تعهده في الناس ، ولم تعلمه في واحدة من بنات جنسها ، وفي هذا يقول اللّه تعالى :
« إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ »
( 45 - 46 : آل عمران ) .
والصفة البارزة التي لهذا الوليد هنا ، هي نطقه وهو في المهد ، وحديثه إلى الناس حديثا واضحا مفهوما . . أما وجاهته في الدنيا والآخرة ، فهو أمر معنوي ، لا ينكشف للناس انكشاف الكلام في المهد ، ولا يقع منهم موقع هذا الكلام الذي يثير العجب والدهش ، ولا يدع لأحد سبيلا إلى الإنكار أو المكابرة ولكن هنا سؤال هو : ما وجه الإخبار عن كلام المسيح كهلا ، إلى جانب الإخبار عن كلامه في المهد . . مع أن كلامه كهلا أمر مفروغ منه ، والإخبار به نافلة غير مطلوبة في ظاهر الأمر ؟
أكثر أقوال المفسرين لتعليل هذا ، أنه إخبار عن رجعة المسيح - في آخر الزمان - وذلك أنه مات في سنّ الكهولة ، وأنه سيعود إلى الدنيا مرة أخرى