ذاتها آية من آيات اللّه . . وتعالت آيات اللّه أن تشاب بسوء ، وجلّت نعمه أن تختلط بكدر ! فالصوم عن الكلام هنا هو من تمام تلك النعمة ، التي تستأهل عظيم الحمد ، وجزيل الثناء ، ولهذا جاء توجيه اللّه تعالى لزكريا بقوله :
« وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ »
بعد أن جعل الصوم عن الكلام آية له ، شكرا على تلك العطية العظيمة ، وعلى الآية المصاحبة لها .
هذا ، ويمكن أن يعطى النظر في الآية الكريمة معنى آخر ، وهو أن قوله تعالى لزكريا :
« آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً »
هو إيحاء لزكريا بأنه - وهو مما خلق اللّه - يستطيع إذا تعطلت الأداة الطبيعية للتفاهم بينه وبين الناس ، وهي الكلام ، فإنه لا يعدم وسيلة أخرى يتفاهم بها ، ويجد منها ما يعوضه عن بعض ما فقد ، فيتخذ الرمز والإشارة عوضا عن الكلمة باللسان . . فإذا كان ذلك شأن الإنسان ، حيث يستطيع أن يخرج عن الأسباب المألوفة ، ويحقق بأسباب غيرها ما كان يحققه بها ، فإن قدرة اللّه - التي هي فوق نطاق الأسباب أبدا - أحق وأولى بألا تحتجزها الأسباب التي نراها مصاحبة للمسببات ! وأنه إذا كان من مألوف الحياة الواقعة تحت حواسنا ألا تلد العقيم ، وألا يولد للشيخ الفاني ، فإن قدرة اللّه - إذا قضت حكمته - تجعل العقيم ولودا ، وتخلق من الشيخ الفاني بنين وبنات . .
« وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
.