هذا نموذج من التفاسير التي حاولت أن تجعل من الحكمة مضمونا للدعوة ، ومتعلقا لها ، فهي تارة ، أمر بالحسن ونهي عن القبيح ، وأخرى ، الإتيان بالآيات القرآنية في مقام الدعوة ، وثالثة إقامة الأدلة والبراهين على الحق . . ولكن يبدو لنا أنها لا تنسجم مع طبيعة غرض الآية وهدفها الأخير ، فهي ليست في مجال التحدث عما يلزم على النبي أن يدعو له فيأمر به أو ينهى عنه ، لأن ذلك أمر واضح معلوم للنبي باعتباره نبيا مرسلا من قبل اللَّه سبحانه ، برسالة تتضمن أوامر اللَّه ونواهيه وتعاليمه المتعلقة بأمر معاش الناس ومعادهم ، كما أن من المعلوم لديه أن القرآن يدخل ضمن نطاق الدعوة باعتباره المعجزة البيانية الخالدة للرسالة الإلهية العظيمة . ولعلنا نلمح في كلمة
إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ
ما يرشدنا إلى ذلك ، فإن سبيل اللَّه الذي تجب الدعوة إليه هو الإسلام بكل تعاليمه ومبادئه ، والقرآن بما فيه من أحكام وتعاليم .
أما التفسير بالحجج والأدلة والبراهين ، فهو غير وارد أيضا ، لأنه ليس أمرا جديدا على الدعوة وعلى النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، لأن أساليب القرآن ترتكز على ذلك ، كما أن طبيعة الدعوة تعتمد عليه ، لأنها انطلقت مع أدلتها وبراهينها منذ اللحظة الأولى .
فما الذي يراد بها أولا ؟
يبدو لنا - من خلال ما قدمناه - حول مفهوم الكلمة ، أنها تعبير عن طبيعة أسلوب الدعوة وضرورة اتصافه بالحكمة ، وسلوكه طريقها . فكأن الآية محاولة للإرشاد إلى طريقة الدعوة العملية في هداية الناس وإرشادهم وكسب أكبر عدد ممكن منهم إلى صف الدين والعقيدة ، وللإشارة إلى أن الحقيقة المجرّدة العارية ، والواقع البسيط المجرّد ، لا يمكن إلقاؤهما إلى الناس دون مقدمات ، ودون ملاحظة للظروف ودراسة لجوّ العمل ومجالاته .
وعلى ضوء هذا ، فإن المراد بالحكمة - كما نفهمه منها - هو السير على