ذلك ، أن اللطف والرفق واللين في مقام الدعوة يشعر الإنسان بإنسانيته ويوحي له - بطريقة عفوية - أنه أمام دعوة تفيض بالحب والحنان والخير .
الجدال بالتي هي أحسن
أما الفقرة الثانية وهي قوله تعالى :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
قد نستطيع اعتبارها بمثابة الإرشاد إلى الطرق التي يواجه بها الداعية المسلم رد فعل المخاطب على الدعوة نفسها .
لقد أخذ القرآن الكريم بعين الاعتبار الكفار وأصحاب العقائد الإسلامية ، وعرف أن الداعية سيصطدم بهم ، نتيجة اختلاف أفكارهم مع دعوته واتجاه الدعوة لتحطيم معتقداتهم . لقد أخذ القرآن الكريم بكل ذلك بعين الاعتبار ، وهو يعلم ما سينتهي إليه الداعية - لو ترك وطبيعته - في هذه الأجواء من ميل للثأر لعقيدته ، حيث لا يمكن أن تربح الدعوة إلا مزيدا من المشاكل ومزيدا من عوامل الإثارة العاطفية التي هي في غنى عنها .
لذا توجه القرآن إلى هذه الناحية ، وحاول أن يروّض نفس الداعية ويوسّع آفاقه ، فيخرجه من نطاق ذاته إلى نطاق الحقيقة الواسع ويبعد عنه الكبرياء الكاذبة التي تعتريه عندما تهاجم ذاته ، ليأخذ بيده إلى التسامح ومراعاة ظروف الآخرين وملاحظة واقعهم النفسي والعقلي .
وهو يحاول أن يلقي في روح الداعية تقبل مهاجمة دعوته من قبل خصومها كأمر طبيعي جدا ينبغي تقبله كما الأمور الطبيعية التي نعيشها في حياتنا ، وأن من وظيفته - كداعية - أن يكسب هؤلاء الخصوم إلى صف الدعوة ، ويقربهم إلى عقيدتها ، ويربح فكرهم وإيمانهم ، لا أن يحطمهم