إعطاء الرأي الصائب ، ويمنح خطواته وأعماله صفة التركيز وعدم الانحراف والاهتزاز ، ويجعلها في محلها - كما يقول التعبير الشائع - وهو الذي يلتقي بمفهوم « وضع الشيء في موضعه » . ويتضح ما قلناه ، إذا لاحظنا التعبير المتعارف : « عالج الأمور بحكمة » أو « سار فيه بحكمة » ، فإن المفهوم منه هو الطريقة السديدة التي تجعل كل شيء في موضعه . وبذلك يمكننا معرفة وجه إطلاق هذا اللفظ على « الكلام الموافق للحق » باعتباره إرجاعا للأمر إلى نصابه ، ووضعا للحق في موضعه ، أو باعتباره صوابا وسدادا .
على ضوء ذلك ، يمكننا إطلاق هذه الصفة على العالم والعادل والحليم والنبيّ ، لأن اشتمال الإنسان على المبادئ ، وهي العلم والعدل والحلم والنبوّة ، تساعده على أن يضع الأشياء في مواضعها ، في العلم عندما يبحث ويفكر ، وفي الحلم عندما يعفو ويسامح ، وفي العدل عندما يقضي ويحكم ، وفي النبوّة عندما يدعو ويبلّغ ، فهي من مبادئ الحكمة ، لا الحكمة نفسها ، ذلك لأن الحصول على ملكة وضع الشيء في موضعه ليس أمرا بسيطا يتعلمه الإنسان ويمارسه ، كما يتعلم أيّة صنعة أو حرفة ويمارسها ، بل هو أمر معقّد جدا يحتاج إلى معايشة للقضايا والحوادث والأفكار ، واطلاع واسع على دقائقها وخصائصها ومداخلها ومخارجها ، ومن هنا كان قوله تعالى - في الحديث عن الحكمة - :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] ، وكانت الحكمة من المنح الإلهية العظيمة التي امتنّ اللَّه بها على عباده وأنبيائه في حديثه عن داود عليه السّلام
وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
[ البقرة : 251 ] وعن آل إبراهيم
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
[ النساء : 54 ] . . ويلاحظ في الآية الأخيرة مقارنة الحكمة بالكتاب دلالة على أنها ترقى إلى مستوى الكتاب في السموّ والرفعة ، كما يلاحظ ذلك في كثير من الآيات المتفرقة .
وخلاصة القول : أن كلمة الحكمة تشير إلى مفهوم « وضع الشيء في