تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
الطريقة الواقعية للعمل ، ونعني بها تلك التي تلاحظ الواقع الخارجي للمجتمع الذي تعيش فيه ، وتدرس ظروفه العقلية والفكرية والنفسية والاجتماعية ، وتضع كل ذلك في حسابها قبل بداية العمل . وإذا ربطناها بالدعوة ، فسنجد أنها محاولة لتنبيه الدعاة إلى اللَّه ، إلى أن لا يكون الأسلوب المتبع لديهم في العمل واحدا من حيث النوع ، بل لا بد من أن يختلف حسب اختلاف الواقع الذي تعيشه الدعوة ، أو يعيش فيه الدين ، فإنه من الواضح أن الدعوة لن تكون فعالة ، إذا حاولت أن تساوي بين الجاهل والمثقف في الفكرة التي تلقى ، والأسلوب الذي يتّبع ، فإن الأدوات التعبيريّة والمخزون الفكري الذي يملكه كلّ منهما ، يختلف عما يملكه الآخر ، وأيضا ، فقد تقتضي بعض المواقف الجو الحماسي والاندفاعي الصرف ، بينما يقتضي بعضها الآخر ، الجو الهادىء المتزن الذي يتيح للفكر أن ينطلق ، وللروح أن تطمئن ، وللإنسان أن يفكر بهدوء . وقد يدفعنا الجو - في بعض الحالات - إلى عرض الفكرة بكامل تفاصيلها ، بينما يدفعنا - في حالات أخرى - إلى الاكتفاء بعرض الخطوط الرئيسية فقط ، تاركين للمستقبل وضع النقاط على الحروف . ذلك ما نفهمه من الحكمة هنا ، والذي قد يلتقي مع كلمة « المرونة » في كثير من مدلولاتها ، لأن المرونة تقتضي عدم انتهاج الداعية أسلوبا واحدا لا يتعدّاه في مجالات العمل ، بل تتطلب منه أن يكون مرنا يلاحظ طبيعة الجو ، وطبيعة الموقف ، وطبيعة الإنسان المخاطّب . وقد نجد في تعبير علماء البيان عن البلاغة بأنها « مطابقة مقتضى الحال » ما يوضح لنا معنى الحكمة ويقربها إلى أذهاننا لأنه يلتقي بها من أقرب الطرق . ولا بد لنا - في ختام الحديث حول هذه الكلمة - من الإشارة إلى أن المرونة التي ذكرناها ومطابقة مقتضى الحال وغيرهما ، لا تعني أن نصل إلى
من وحي القرآن — صفحة 326 | السيد محمد حسين فضل الله