اللَّه فيفسدون الحياة بمكرهم . ولكن القضية ترتدّ عليهم ، في نهاية المطاف ، لأن اللَّه لم يجعل لهم السلطة المطلقة التي يحققون فيها لأنفسهم ما يشتهون وما يريدون ، بل وضع لهم حدا مقيدا يقفون فيه حيث تقف حدود قدرتهم ، وحيث تبدأ العناصر الأخرى في الساحة بمواجهة فسادهم مواجهة قويّة حاسمة .
في كل مجتمع مترفون يمكرون فيها
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها
ففي كل مجتمع صغير أو كبير فئة من المترفين الذين يعتبرون أنفسهم في الطبقة العليا من المجتمع ، ويرون لأنفسهم الحق في أن يخططوا للناس حياتهم ويفرضوا عليهم سلطتهم ، ولذلك فهم يعملون للجريمة في نطاق الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد ، بكل ما يملكون من وسائل المكر الذي يعبّر عن التدبير الخفيّ الذي يوهم الآخرين بأنه خير ، في الوقت الذي يمثل أبشع أنواع الشر ،
وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ
لأن الجريمة إذا تحوّلت إلى تيار اجتماعي ، فإنها تتسع في حركتها حتى تعود لتفتك بالناس الذين دبّروها ، فهي لا تتجمد في أيدي صانعيها ، بل تمتد لتنتقل إلى أيدي الناس الذين لا تتفق أطماعهم ومصالحهم مع الناس الآخرين ، فيرتدون عليهم ليصنعوا بهم ما صنعوه بغيرهم .
ثم ماذا بعد الجريمة ؟ فليذهب هؤلاء يمينا وشمالا ، وليربحوا ما شاءت لهم أطماعهم من أرباح الحياة الدنيا ، فإنهم سيقفون أمام اللَّه ، إن عاجلا أو آجلا ، وسيشعرون هناك بأنهم خسروا أنفسهم ، وأن مكرهم الذي صنعوا منه الجريمة قد تحوّل إليهم ، ليجدوا أنفسهم - معه - وجها لوجه أمام النار - وبئس القرار . . وتلك هي الحقيقة التي ستواجههم غدا نتيجة ما