تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وإبراء الأكمه والأبرص فأرادوا آيات كهذه ، ولكنهم لم يفكروا ، لحظة واحدة ، في أن قصة المعاجز ليست موضوعا خاضعا للتمنيات والافتراضات ، وليست عمليّة منفصلة عن طبيعة التحدي التي تواجهها الرسالات ، فقد أرسل اللَّه موسى عليه السّلام بالعصا ردّا على التحدي الكبير لفرعون الذي استعمل وسائل السحر كما أن اللَّه أرسل عيسى عليه السّلام بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، ردا على التحدي الذي كان يشكل فيه الطب في زمنه نوعا من أنواع التحدي . وليست المعاجز سبيل هدى ، فللهدى وسائله التي تنفذ إلى العقل ، ولكنها سبيل قوّة في مواجهة القوّة المضادّة ، ولهذا فلا معنى لما طلبوه ، بل عليهم أن يفكروا في ما قدمه إليهم الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلّم مما يبعثهم على التفكير ، ويدعوهم إلى المناقشة والحوار .

الله أعلم حيث يجعل رسالته

وهذا الوجه الذي ذكرناه مبني على القول الذي فسّر الآية ، بأن أكابر المجرمين من العرب اقترحوا على محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلّم أن يأتيهم من المعجزات مثل ما أوتي موسى عليه السّلام من فلق البحر وعيسى عليه السّلام من إحياء الموتى ، وهناك قول آخر إنهم قالوا له : لن نؤمن حتى ينزل علينا الوحي كما أنزل على الأنبياء ، وربما كان هذا القول أقرب إلى جوّ الآية في ما جاء بعد هذه الجملة التي أرادها اللَّه ردّا عليهم :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
فليست قضية الرسالة امتيازا ذاتيا يمنحه اللَّه لأيّ شخص كان ، بل هي قضية اصطفاء واختيار وكفاءة ، في ما يعلمه اللَّه من قابليات عباده وقدرتهم ، فمنهم الذي تميّز بسعة الفكر ، وصفاء الروح ، وطيبة القلب وقوّة الإرادة ، وعناصر القيادة ، ومنهم الذي تميّز بضيق الأفق ، وقلق الروح ، وخبث النيّة ، وضعف الإرادة ، فاختار من النموذج الأول أنبياءه ورسله ، وترك الآخرين في موقع