تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
الحسن الذي لا قبح فيه ، وتزيّن له كلُّ شيء فيه ، حتى لا يسمع فيه نقدا ولا يقبل فيه نقاشا . وتلك هي الغريزة الإنسانية التي تتعامل في ما تصدره من أحكام سلبيّة أو إيجابيّة مع الجانب المشرق الذي تلتقي فيه الفكرة المحبّبة بالمشاعر الجميلة ، بينما ترتبط المشاعر السيّئة ، بالفكرة البغيضة . ولكنّ الغريزة لا تلغي في الإنسان إرادة التغيير ، لأن اللَّه جعل العقل قائدا لها ومنظّما لمشاعرها وحركاتها وحرّك الإرادة لتقف بها في نقطة التوازن ، فإذا أهمل الإنسان عقله ، وجمّد إرادته ، فإنه يهمل مصيره من حيث يقيم اللَّه الحجة عليه في ذلك ، ومن هنا كانت عمليّة التزيين هذه التي تشير إليها الآية ، لا تعني الجانب المباشر من الفعل ، بل تعني الجانب الطبيعيّ في ما ركّب في الإنسان من طبائع وغرائز ، من أجل أن تبني له حياته ، كما يحب ، ويريد ، مع التأكيد على المسؤولية في الجانب العقلي والإرادي منها . وفي هذه الآية إيحاء للإنسان بأن عليه أن يثير الحياة في نفسه ، ويخرجها من الموت الفكري والروحي الذي يجرّه إلى تخيّل أنّ قيمة الإنسان في أطماعه وشهواته ، وذلك بأن يعيش الإيمان بعمق ليشعر بامتداد الحياة في نفسه إلى كل شيء حوله ، من خلال إحساسه بالمسؤولية عن الأرض والناس ، وعن النبات وغير ذلك في المدى الذي تتسع فيه قدرته . . وبهذا يحصل الإنسان على نوع فريد من التفاعل بين الإيمان وسعة الشخصية . فكلّما عاش الإيمان أكثر ، كلما تحركت شخصيته في الجانب السليم أكثر . أمّا إذا غفل عن إيمانه ، واستسلم لما حوله ولمن حوله ، فإنه يستسلم للجانب السلبيّ من حركة الواقع في ما يعيشه من حالة القلق والضياع والارتباك والتخبّط التي تفرزها مفاهيم الكفر في عقل الإنسان . وهذا هو العنصر الذي يقود إلى الخبث والمكر والجريمة ، وغير ذلك من المعاني التي تتمثل في الشخصيات التي تعيش لذاتها ، فلا تتفتق عبقريتها إلا عن أفكار الشرّ ، ولا تتحرك قوتها إلا في طريق الصدّ عن الخير وعن سبيل
من وحي القرآن — صفحة 313 | السيد محمد حسين فضل الله