تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
القاعدة وأرادهم أن يهتدوا بهدى الأنبياء وأن يجاهدوا في سبيل الوصول إلى ذلك ، وسهّل لهم سبيل الإيمان ، بما يتفق مع قابلياتهم وإمكاناتهم ، فليس لهم أن يطلبوا لأنفسهم ما لا يملكون عناصره ، لأن الرسالة ليست مجرد كلمات يتلقفها الإنسان ويحفظها ثم يبلّغها للآخرين ، بل هي قضية قيادة الحياة في جانبها الفكري والروحي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي . . وتغيير الإنسان على أساس هدى اللَّه ، بالكلمة وبالأسلوب وبالقدوة الحسنة ، بحيث تعيش الرسالة في شخصية الرسول جسدا يتحرّك بكل أخلاقياتها ومعانيها ، وروحا تصفو وتهفو وتحنو وترقّ وترعى ، فيحسّ الناس معها بالرحمة التي تحيط بهم من كل جوانب حياتهم ، ويعيشون معها برد السلام وهدوء الطمأنينة . إنّ حركة الرسالة في شخصية الرسول تعني أن يعيش هذا الإنسان في فكره وروحه وكيانه كله مع اللَّه ، ليستطيع - من خلال ذلك - أن يحتوي كل آفاق الرسالة ومعانيها في كل مراحل حياته في الدعوة وفي الحكم وفي الجهاد ، وبذلك كان الرسول يأخذ من الرسالة وحيا تنفتح منه نفسه على اللَّه ، ويعطيها من طاقاته الروحية والفكرية ، ومن قوّة إرادته عنصر قوّة يدفعها إلى الأمام ، ولذلك لم تكن الرسالة خاضعة لاختيار الناس وتمنياتهم ، بل هي خاضعة لإرادة اللَّه واختياره ، فهو
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
، في ما يعلمه من الطاقات الروحية والفكرية والعملية والقيادية الكامنة في ذواتهم مما لا يعلمه الناس من أنفسهم ، ولا يعلمه غيرهم منهم . فأين يذهب هؤلاء في تفكيرهم ؟ إنها عقدة الكبرياء التي تكبر في صدورهم عندما يتطلعون إلى الأنبياء فيجدونهم في الطبقة السفلى ، من الهرم الاجتماعي ، فيدفعهم ذلك إلى احتقارهم ، واحتقار دورهم ، وتكذيبهم ومحاولة تحدّيهم بأيّة طريقة ، حتّى بالأمور التي لا تثبت أمام النقد ، ولذلك فإن اللَّه سيجزيهم عن هذه المشاعر وهذه الادعاءات وذلك الكبرياء ، صغارا وذلا واحتقارا وعذابا ،
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ
في ما يظهرهم به