تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
فهو لا يدري كيف نشأت الحياة ، ولا يدري كيف ستنتهي ، وما بعد ذلك ، ولا يعرف الأساس الذي يحدّد من خلاله برنامجه لأن خطة الحياة تخضع للأهواء وللشهوات التي تتغيّر وتتبدل تبعا للظروف ، من العدم انطلق ، وإلى العدم يعود . . ويتحرك الوجود معه في أجواء العدم . وفي كل يوم شهوة جديدة ، وهوى جديد ، فإذا أقبلت الأزمات والمشاكل في ظلمات بعضها فوق بعض ، فإنه يعيش معها التخبّط والقلق والعقد النفسيّة ، لأنه لا يملك نورا يملأ قلبه ويضيء طريقه . . وهكذا تنطبق عليه الآية :
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
. ولكن مشكلته أنه لا يعي معنى النور ليفهم معنى وجوده في الظلام ، فهو يملك صورة خاطئة عن النور والظلام ، فقد يحسب النور ظلاما ، كما يحسب الظلام نورا ، لأن القضية ليست قضية الوجود المادي لهما ليستطيع أن يحدد طبيعة ما هو فيه ، على أساس إشراقة النور في عينيه ، وإحساسه به في وجوده ، ولكن القضية قضية الوجود المعنوي ، الذي قد يختلط فيه الأمر ، على أساس المفاهيم التي يحملها ، كما نلاحظ في ما نواجهه في عصرنا هذا ، من التسمية المعروفة عنه بأنه عصر النور ، على أساس انطلاق الرؤية فيه من اتجاه واحد دون بقيّة الاتجاهات ، مما قد يختلط فيه ميزان العقل بميزان الشهوة ، فيخيّل للإنسان أنه يتحرك بعقله وفكره ، بينما هو يتحرك بشهوته ومزاجه ، وبذلك يختلط لديه عنصر الظلمة بعنصر النور .

زين للكافرين ما كانوا يعملون

وهذا ما توحيه الفقرة التالية في الآية :
كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
فإن الإنسان إذا اعتقد شيئا أحبّه وأخلص له ، وإذا اندمج فيه ، واستغرق في داخله ، ولم يكتشف فيه الجانب الأسود السيّئ ، خيّل له أنه