للحسابات المادية ، حتى العواطف والمشاعر والعلاقات ، فلا يعطي إلا بمقدار ما يأخذ . إنه يستمر في الدوران حول نفسه ، فيختنق - في النهاية - داخل ذاته .
ثم إن الإيمان - في شخصية المؤمن - يوحي له بأنه لا يمثّل - كما لا يمثل أيّ شيء في الحياة - كيانا مستقلّا منفصلا عن اللَّه ، بل يعتبر كل شيء موصولا به ، ومنطلقا منه . وبذلك كانت الحياة ساحة خاضعة للَّه ومشدودة في علاقاتها إليه ، فإذا فكّر الإنسان ، فإن الفكر يتحرك من حيث يريد اللَّه له أن يتحرك ، ليكون الفكر المسؤول ، كما أن العمل يتحرك في خط المسؤولية العامة في حياة الناس ، كل شيء عنده بحساب ، ولكنها ليست حسابات التبادل المادي التجاري مع الناس ، بل هي حسابات الإنسان مع اللَّه ، وبذلك لا تكون التضحية حركة ضائعة في الفراغ ، بل هي انطلاقة في علاقة الدنيا بالآخرة ، في حسابات اللَّه .
وفي ضوء ذلك ، كانت الحياة عنده تعني الرسالة التي هي الهدف الكبير ، فلا ضياع ولا فراغ ، ولا قلق ، لأن الإنسان المؤمن يعتقد أن بداية الحياة من اللَّه ، ونهايتها إليه ، وبين البداية والنهاية هناك خطّ واضح للمسؤولية ، وبرنامج عملي للإنسان ، ينير له الطريق ، ويخط له حدود المستقبل على الصراط المستقيم ، وذلك ما تعنيه الكلمة القرآنية :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
[ فصلت : 30 ] التي تسير فيها نقطة البداية إلى خط السير وذلك هو ما تعنيه كلمة النور الذي يمشي به بين الناس ، فهو الذي يحقق له الوضوح في كل أوضاعه وعلاقاته العامة والخاصة ، فلا ظلام ولا ضباب ، بل هي الإشراقة الدائمة في روحه وقلبه وخطاه .
أمّا الإنسان الكافر ، فمثله مثل الإنسان الذي يعيش في الظلمات ، فلا يخرج من ظلمة إلّا إلى أخرى . . ليس هناك نافذة واحدة يطل منها على النور . . فقد أغلق جميع نوافذ النور على نفسه . . وبقي يتخبّط في متاهات الظلام . . فليس عنده أيّ تصوّر يحدّد له نقطة الانطلاق ، ونقطة الانتهاء . .