الله مدرك الأبصار ومحيط بها
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
لا تبلغه ولا تصل إليه أبصار الناس ، لأن اللَّه ليس جسما لتبصره العيون ، وقد ذكرنا في بعض مباحث هذا التفسير ، كيف يذهب بعض المفكرين من المسلمين إلى إمكان رؤية الناس للَّه يوم القيامة انطلاقا من الظواهر القرآنية ، وكيف يردّ عليهم مفكرون آخرون باستحالة ذلك ، وبتوجيه الظواهر القرآنية بما لا يتنافى مع ذلك من حمل التعابير القرآنية على أسلوب الاستعارة والكناية والمجاز ، على ما جرى عليه القرآن من التحدّث عن القضايا المعنوية بالطرق الحسّية . .
وربما كانت هذه الفقرة دليلا على ذلك في مدلولها الذي ينفي إدراك الأبصار له ، وإن كان من الممكن أن تكون واردة على سبيل الكناية عن علوّة وعظمة شأنه بالمستوى الذي لا يمكن أن تحيط به الأبصار ، مهما بلغت درجة الرؤية لديها
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
لأن الأشياء كلها خاضعة له ، حاضرة لديه ، وبذلك فإنه يدركها ويحيط بها مهما كانت دقيقة وبعيدة ، ولعل التعبير بقوله :
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
مع أن المقصود هو إدراكه للأشياء التي تدركها الأبصار ، للإيحاء بإحاطته بكل شيء تحيط به ، لأن الأبصار إذا كانت تحت إدراكه فإنه يدرك كل ما تدرك ، ويصل إلى كل ما تصل إليه .
وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
قال : إحاطة الوهم ، ألا ترى إلى قوله :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
ليس يعني بصر العيون
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ
ليس يعني من البصر بعينه
وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها
ليس يعني عمى العيون إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال : فلان بصير بالشعر ، وفلان بصير بالفقه ، وفلان بصير بالدراهم ، وفلان بصير بالثياب . اللَّه أعظم من أن يرى بالعين « 1 » .
هامش
( 1 ) الكافي ، ج : 1 ، ص : 98 ، رواية : 9 .