تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وفي ضوء ذلك ، فإن الإخلاص لأيّ رمز من الرموز التي اعتبرها الناس رمزا لحياتهم ولوحدتهم ، لا بد من أن يرتبط باللَّه ، ليكون الإخلاص له ، من خلال الإخلاص للمعنى الذي يرمز له ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون هذا الرمز ، شخصا أو أرضا ، أو مؤسسة أو وطنا أو قوميّة أو لونا ، فإن الإخلاص في هذه الأمور وغيرها يعتبر نوعا من أنواع الشرك الخفيّ ، إذا لم يتحرك من خط المفاهيم المنسجمة مع خط اللَّه . إنّنا نخلص لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ، من خلال صفة الرسالة فيه ، كما نخلص لأولياء اللَّه من خلال صفة الولاية للَّه في أنفسهم ، فلا نخلص لذواتهم ، ولا نستغرق في أشخاصهم ، ولذلك فإن طريقة تعبيرنا عن هذه العلاقة ، لا بد من أن تكون منسجمة مع أحكام اللَّه وتعاليمه ، فلا تدفعنا العاطفة إلى أن نمارس من ذلك ما لا يرضى به اللَّه في قول ولا في فعل ، بل يجب أن نقف عند حدوده - سبحانه - لئلّا تجرّنا العاطفة إلى الغلوّ الذي ينتهي بنا إلى الكفر أو إلى ما يقرب من الكفر . . ونحن عندما نقدّس أرضا أو نحترمها ، فإننا لا نقدّس ترابها وحجارتها ، باعتبار أنها تحتوي على الأسرار الخفيّة القدسية الكامنة فيها ، بل نتحرك في ذلك من الخط الشرعيّ الذي تعبّدنا اللَّه بالسير عليه ، في ما تعبّدنا به من احترام أرض معينة ، أو بنيّة معيّنة كما في احترامنا لأرض مكة ، لأن اللَّه جعلها حرما آمنا يأمن فيها الناس على أموالهم ونفوسهم وأعراضهم ، وكما في تعظيمنا للكعبة ، لأنها بيت اللَّه الذي تعبّد خلقه بالطواف حوله والحجّ إليه ، واستقباله في كل مكان في العالم في الصلاة وفي أمثالها ، مما أراد اللَّه استقبال القبلة فيه ، ولذلك فلا بد لنا من الاقتصار على تنفيذ أحكام اللَّه التي شرّعها في ذلك كله .