تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧

الإنسان هو هدف الرسالات

قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
ولعل المراد بها وسائل الوعي الفكري والبصيرة القلبيّة ، مما أوحى به اللَّه إلى رسله ، من كتب وتعاليم ودلائل ، في ما أراد اللَّه للإنسان أن يفكر فيه ويتأمّله ويتعمق في دقائقه ليصل من خلاله إلى الهدى الذي يفتح له نوافذ المعرفة الفكرية والروحية ، ويقوده إلى الصراط المستقيم في مسيرته العملية في الحياة . . وبذلك كانت قضية الرسالات قضية الإنسان في ما تستهدفه من رفع مستواه وتدبير أموره ، وتحديد دوره الطبيعي في تنظيم شؤون الكون من حوله ، ليبلغ السعادة في الدنيا ، على أساس راحة الفكر والعمل والشعور ، وينال السعادة في الآخرة على أساس ما يحصل عليه من جنة اللَّه ورضوانه .
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها
فإذا انطلق الإنسان ، وفتح نوافذ قلبه على النور ، ونظر بعين البصيرة إلى حقائق الكون والحياة ، فإنه يحقق لنفسه الربح الكبير . . أمّا إذا أغلق قلبه عن النور ، وأعمى عينيه عن رؤية الحقيقة فإنه لن يضرّ أحدا في ذلك ، بل يضرّ نفسه ، لأنه حرمها من آفاق الخير والسعادة والسلام ، وتركها تتخبط مثلما يتخبّط الأعمى عندما يسير في دربه ، وذلك هو ما يؤكده القرآن في قضية العمى والبصر في قوله تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ الحج : 46 ] ، لأن المسألة لديه هي مسألة الإنسان من الداخل ، الإنسان ، الفكر . . العقل . . الشعور ، لا الإنسان الشكل - الجسد ، لأن اللَّه يريد للإنسان أن يتحرك بعقله ليحرّك الحياة من حوله على هداه ، ولا بد للعقل من أن ينفتح على كل نوافذ المعرفة في ما منحه اللَّه من مفرداتها المتنوّعة التي يدركها الحسّ ، وفي ما أوحى اللَّه به إلى رسله من رسالة وكتاب ، ليجتمع له من هذه وذاك الفكر الصائب المنفتح الذي يتفايض بالإشراق ، وينطلق من منابع النور ، ليخطط للحياة طريقها المستقيم كما يريده اللَّه ، وليثير - مع نفسه - آفاق الروح السابحة في آفاق اللَّه .
من وحي القرآن — صفحة 257 | السيد محمد حسين فضل الله