المفهوم الإسلامي للارتباط بالأرض
ومن ذلك نعرف ، أنّ الارتباط بالأرض باعتبارها وطنا تعارف الناس على الإخلاص له والدفاع عنه ، لا يمثّل شيئا في مفهوم الإسلام ، إلّا بقدر ما تمثّل الأرض من رمز روحي ، كأن تكون أرض المسلمين والمؤمنين ، لتصبح المسؤولية عنها مسؤولية عن المسلمين والمؤمنين ، في ما يمثّله الاعتداء عليها من اعتداء عليهم ، والحفاظ عليها من حفاظ على وجودهم وعزتهم وكرامتهم . أمّا إذا انفصلت عن المعاني والقيم الإنسانية الإيمانيّة ، وتحوّلت إلى مجرد رمز جامد يخضع له الناس كقيمة ذاتيّة ، فإنها تتحول إلى صنم يعبد من دون اللَّه ، تماما كأيّ صنم آخر ، لأن الصنميّة لا تتمثل في أشكال معينة ، بل تتمثل في الرموز التي لا تحمل أيّ معنى يتصل باللَّه .
ولهذا ، فإن علينا - في إخلاصنا لحركة التوحيد في عقيدتنا وحياتنا - أن نناقش كل ما يستحدثه الناس من رموز مادية أو معنوية يريد الناس الخضوع لها ، لنجد مدى ارتباطها أو عدم ارتباطها باللَّه ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، مثل الإنسان ، النسب ، الأرض ، اللغة ، الوطن ، النظام ، وغيرها مما أريد للناس أن يعتبروه أساسا للوحدة والخضوع والطاعة . وبذلك يمكن لنا أن نستوحي من قوله تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
أن هذه الرموز ليست ربكم ، لأنها مثلكم مخلوقة للَّه ، أو لأنها مصنوعة من أفكاركم وأوهامكم ، وليس لها أيّ امتياز يرفعها إلى هذا المستوى الذي ترفعونها إليه ، فلا تجعلوا للَّه منها أندادا تحبونها كحبه ، لأن الحب للَّه وحده ، وكل حبٍّ لأيّ شيء لا يرتبط به ، فهو عبادة لغيره بشكل غير مباشر . .
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
يرعاه ويحوطه برحمته ولطفه ، فهو مشرف على جميع مخلوقاته ومهيمن عليها في كل أمور الحياة والموت وقضية المصير .