تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ولكن ليس معنى ذلك ، أن اللَّه قد اعتزل قضية الإنسان بعد ما خلقه ، فلا علاقة له بوجوده ، أو بتفاصيل حركة الوجود هذه ، ليكون الأمر على وفق نظرية التفويض المطلق ، فإننا لا نريد أن ننفي فكرة الجبريّة لنستبدل بها فكرة التفويض ، بل ما نريده هو أن ننفي الفكرتين معا لتكون النظرية عند حد الوسط « الأمر بين الأمرين » التي تعني أن اللَّه أعطى للإنسان خلقه وزوّده بالوسائل اللازمة التي تكفل له استمرار الحياة ، وهو قادر على أن يسلب ذلك منه في كل لحظة . ومنحه ، في نطاق ذلك ، الإرادة الحرّة التي يستطيع من خلالها أن يمارس حريته في سلوك الطريق الذي يحلو له بعيدا عن كل ضغط تكويني . . فإذا اختار الشرّ كان الشرّ فعله ، من خلال الأدوات التي منحها اللَّه له ، فليس الشر مخلوقا للَّه بنحو المباشرة ، وليس مرادا له بنحو الرضى ، ولكنه فعل الإنسان ، من خلال إرادة اللَّه التي تربط بين السبب والمسبب ، فتقتضي أن يوجد المسبّب وهو الفعل إذا تعلقت إرادة الفاعل المختار به ، مع توفر الشروط الأخرى لوجوده ، وبذلك كانت علاقة اللَّه بالأشياء من خلال خلقه للقوانين التي تنتجها ، ومن جملتها ، إرادة الإنسان واختياره ، فلا جبر للإنسان لأن الخيط الأول في المسألة مربوط بيده وهو حرية الإرادة ، ولا تفويض له ، لأن الخيط الثاني ، وهو وسائل القدرة بيد اللَّه ، فهو القادر أن يبقيها حيث شاء ، وأن يزيلها حيث يريد . وفي ضوء ذلك ، لا نستطيع أن نوافق على الفكرة التي تقول : إن اللَّه قد خلق الشرّ والخير ، على أساس أن أفعال العباد مخلوقة له ، لأنّ اللَّه خالق كل شيء ، فهو لم يخلق للعبد فعله ، كما يخلق الأشياء الأخرى ، بشكل مباشر ، أو بشكل غير مباشر ، من دون إرادة أو اختيار لغيره ، بل إنه خلق العبد وخلق إرادته ، وترك له أن يتصرّف بإرادته كما يحلو له ، بعد أن حدّد له ما يرضاه وما لا يرضاه من ذلك ، فإن أراد القائلون بخلق اللَّه للشر هذا