وبذلك يمكنهم أن يتخففوا من ثقل الذنوب التي أرهقت نفوسهم وظهورهم ، وينطلقوا إلى الحياة خفافا من كل وزر ، أطهارا من كل رجس .
ميزان الإيمان الحق : الانصياع المطلق لحكم اللَّه ورسوله
ويعود القرآن - من جديد - ليحدّد للمؤمنين الحدّ الفاصل بين الإيمان وعدمه ،
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ . . .
بكلمة الإيمان التي يقولونها ، أو بمظاهره وشعائره التي يحملونها ، بل لا بد من الموقف الصعب الحاسم الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
؛ فإذا اختلفوا في أية قضية من قضايا الحياة ، وتعدّدت الآراء التي يدلي بها هذا الفريق أو ذاك ، فإن علامة إيمانهم أن يجعلوك الحاكم في ما يأخذون أو يدعون ، وذلك من خلال صفتك الرساليّة ، ليكون رجوعهم إليك وتحكيمهم لك رجوعا إلى الرسالة وتحكيما لها في جميع أمورهم التي يختلفون فيها . فإن معنى ذلك أنهم لا يجدون لأنفسهم الحق في الاستقلال في رأي ما ، بعيدا عن الرسول والرسالة ، ولا يتطلعون في جميع قضاياهم الحياتية إلى أي شخص آخر ، أو أي فكر آخر ، وذلك هو معنى الإيمان الذي يلتزم بالقاعدة ولا يلتزم بأية قاعدة غيرها . فإذا حكمت بينهم بأمر ، مما يلتقي برغباتهم الذاتية أو مما لا يلتقي بها ، فإنهم سيرتفعون - عند ذلك - عن الخضوع لمشاعرهم الخاصة ، فلا يقومون بأيّ عمل سلبي ضد هذا الحكم ، ولا يتعقّدون في داخلهم من أجله ، بل يتقبلونه برحابة صدر ورضا نفس ، ويستسلمون لحكم اللَّه في دعة واطمئنان ، لأنه يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم . وهذا هو معنى قوله تعالى :
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
.