في أجواء الغموض .
إذا كان النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم يمثل الحقيقة البيضاء الناصعة ، فلا مجال لأيّ اجتهاد خاص أو عام في مقابل أي حديث صادر عن النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، وليس هناك أية فرصة للآراء الشخصية المتنوعة من أية جهة أو من أيّ شخص .
ومن الطبيعي أن ذلك مختص بما صدر عن النبي محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بطريق اليقين أو الاطمئنان المستقر ، أمّا إذا لم يكن موثّقا بطريقة حاسمة ، فبإمكان الباحثين من العلماء الذين يملكون سعة الاطلاع واجتهاد البحث أن يناقشوا ويدققوا في مضمون هذا الحديث أو ذاك في مقارنة دقيقة مع القرآن ، أو يلاحقوا علامات الاستفهام في سنده ، لأن القضية هي قضية الإسلام الذي لا بد أن تكون العقيدة والمفهوم والشريعة فيه منطلقة من المصادر الموثوقة الخاضعة لموازين النقد العلمي الواسع العميق .
القرآن يخاطب المواقف الحقيقية للمنافقين
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
وماذا بعد ذلك ؟ إن القرآن يخاطب مواقفهم الحقيقية ، ليحرّك أعماقهم بما تختزنه من رواسب التمرّد ومشاعر الانحراف ، فلو كانوا مؤمنين كما يزعمون ، لانطلقوا مع خط الإيمان في مواقعه المطلقة التي تعبر عن الاستسلام للَّه في كل شيء ، ولكنهم ليسوا كذلك ، فلو أن اللَّه دعاهم إلى أن يقتلوا أنفسهم في ساحات الجهاد أو بطريقة ذاتية ، أو طلب منهم أن يخرجوا من ديارهم لأي هدف كان ، لما أطاعوه في ذلك ، إلا قليل منهم ممن انفتحت آفاقهم على اللَّه فرجعوا إليه . وهذا دليل عدم الإيمان ، لأن الإسلام يعني التسليم الذي تمثل في موقف إبراهيم وولده إسماعيل ، كما حدثنا اللَّه