النبي قدوة
وقد استطاع الإسلام من خلال الوحي القرآني في نطاق هذا المبدأ الإنساني المرتكز على العدالة في الفكر والسلوك ، أن يربي جيلا من الناس ، من الصحابة وغيرهم ممن جاء بعدهم ، على أساس الأمانة الفكرية والروحية والعملية في خط الاستقامة في جميع جوانب حياتهم ، انطلاقا من القدوة النبوية ومن الإيحاءات الروحية التي تنطلق من خلال التذكير بالوقت الذي يواجهه الخائنون يوم القيامة عندما يحملون على ظهورهم كل ما خانوا فيه .
وقد جاء في تاريخ الطبري ، أنه لما هبط المسلمون بالمدائن ، وجمعوا الأقباض - الغنائم - أقبل رجل بحقّ معه فدفعه إلى صاحب الأقباض ، فقال الذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه ، فقالوا : هل أخذت منه شيئا ؟ فقال : أما واللّه ما آتيتكم به . فعرفوا أن للرجل شأنا ، فقالوا : من أنت ؟ فقال : واللّه لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم ليقرظوني ولكني أحمد اللّه وأرضى بثوابه . وقد رأينا - في كثير من نماذج المؤمنين - أن بعضهم يلتقط اللقطة الملقاة على الطريق ليبقى فيعرّفها سنة ، ثم يتصدق بها ، أو يدفعها إلى أولي الأمر ، فإذا جاء صاحبها بعد ذلك ولم يقبل بالصدقة ، دفع إليه ما يريد من ماله طلبا لثواب اللّه .
وقد كان بإمكانه - لولا مسؤولية الأمانة في دينه - أن يأخذها ويتملكها بعيدا عن ذلك كله ، لأن أحدا لن يسأله عنها عندما التقطها وعندما يأخذها .