الخط النبوي في كل ما يتعلق بمسؤوليته في إبلاغ الوحي وتوزيع الحقوق على الناس بعيدا عن أية حالة ذاتية تفرض عليه ذلك .
ربما كانت الآية - كما أشرنا إليه - واردة في مجال تقرير المبدأ ، ليشعر المسلمون بالثقة المطلقة من خلال الثقة بعصمة القيادة ، فيكون ذلك أقرب لخط الالتزام ، وأدعى للانضباط وأقوم للثبات ، وأكثر تأكيدا لنقد الموقف الذي وقفوه لأنه لا يتناسب مع هذا المبدأ . . . وقد نستشعر من الآية الإيحاء بأن قضية رفض الخيانة من النبي ، ليست خصوصيّة للنبي ، بل هي قضية المبدأ الذي يتحرك في خطّ النبوّة ، مما يجعل منه شيئا غير مناسب له ، على أساس منافاته للرسالة التي يدعو إليها ، وللإخلاص للّه باعتبار أنها تمثّل تمرّدا على اللّه . . .
وفي ضوء ذلك ، أكملت الآية الفكرة بالإيحاء بالجوّ الشامل الذي يحكم النبي ويحكم الآخرين في مواقف الحساب ، كما توحي به هذه الفقرة من الآية :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
فإن الخيانة في الدنيا لا تنتهي مسئوليتها بانتهاء الدنيا ، بل يقف الخائن يوم القيامة ليتحمل مسؤولية ذلك كله ، فيحمل ما خانه بين يديه ، وذلك على سبيل الكناية عن الإثم والتبعية والمسؤولية ، وهناك الحكم الذي يمنح كل إنسان جزاء ما اكتسبه من خير أو شرّ ،
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
. . . وهكذا تريد الآية ، أن توحي ، بأن المسؤولية لن تستثني أيّ إنسان ، مهما كانت درجته ولو كان نبيّا ، فكلّ العباد مكلّفون برفض الخيانة ، بما فيهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، لأن الامتيازات ملغاة في هذا المجال ، فلا يحق لأحد أن يتمرّد على القانون من خلال درجته الروحية والاجتماعية ، كما هو الحال في واقع الناس المعاش ، وبذلك تتم للفكرة حركتها العملية في خطّ العدالة في حياة الناس ، وتتوضح للقاعدة الشعبيّة طبيعة القيادة في أمانتها وإخلاصها وعصمتها عن كل ألوان الخيانة ، على أساس النظرية والتطبيق معا .