الذات الإسلامية من الشعور بالوهن والضعف والحزن ، في تساؤل نفسي عنيف ، كيف حدث كل هذا ، ولماذا ؟ . . . ويواجه القرآن هذا كله بالرفض لهذه الحالة في موقف المؤمنين :
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
، لأن الوهن والحزن يعبّران عن انسحاق داخلي أمام الهزيمة ، في انطواء روحيّ يسقط معه الشعور بالكرامة والإحساس بالعزّة . إن اللّه يستثير في المؤمنين انطلاقة الإيمان ودلالاته في موقع المؤمن من الحياة ، فهو الأعلى بالمقياس الحقيقي للأشياء ، لأن ارتباطه باللّه يشعره بالقوّة العليا ، وانطلاقه من قاعدة الإيمان يوحي له بالفكرة العليا ، وتحركه في خدمة الحياة يشدّه إلى الأعلى في أهداف الحركة . . . وبذلك يتحوّل الإيمان إلى عنصر قوة يدفعه إلى الاستعلاء على كل عوامل الضعف والخوف والحزن ليدعوه إلى الإحساس بالقوّة والفرح الروحي بالألم والتضحية في طريق الجهاد .
ولعل من الواضح ، أن الآية الكريمة لا تريد أن توحي للمؤمنين بالموقع الأعلى في عمليّة استعلاء للذات على الآخرين لتصبّ في مجرى الأنانية الذاتية ، بل كل ما تريده - في ما نستوحيه منها - هو الاستعلاء الروحي والرسالي على قوى الكفر والظلم والطغيان ، وذلك من خلال ما تعطيه كلمة
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
من مفاهيم وأحاسيس وإيحاءات .
ثم تلتفت إليهم في أسلوب واقعي يريد للقضية أن تعيش في نطاق أسبابها الطبيعية التي أخضع اللّه لها كل ما في الظواهر الكونيّة والإنسانية ، فإن قضيّة النصر والهزيمة في حياة الأفراد والجماعات لا ترتبط بالجانب الغيبيّ للحياة ليواجه الإنسان قضاياها من هذا الموقع ، فيدفعه ذلك إلى الشكّ في منطلقات الإيمان وخطواته ، بل ترتبط بالجانب الواقعي للأشياء ؛ فإذا أخذ الناس بأسباب النصر فإنهم سينتصرون وإن كانوا كافرين ، وإذا تركوها انهزموا وإن كانوا مؤمنين ، لأن اللّه لا يريد أن يحارب بالنيابة عن المؤمنين ، بل يريدهم أن يأخذوا بسننه ، ويسيروا على حسب قوانينه ، فينطلقوا إلى ساحات الصراع من موقف الوعي للساحات ومتطلباتها المادية والمعنوية . . . ولا مانع من اقتضاء حكمة اللّه