وبذلك ينكشف الإيمان المزيّف من الإيمان الخالص الصحيح الثابت ؛ فإن حالات الرخاء والأمن والدعة تجمع في داخلها كل النماذج الخيّرة والشرّيرة ، لأن الجوّ لا يفرض عملية الفرز الاجتماعي الإيماني ما دامت الفرصة تحتوي الجميع وتستوعبهم من دون سلبيّات . . .
وقد يوحي هذا التعبير بأن التجربة تستهدف علم اللّه بالمؤمنين ، فهل يحتاج اللّه في علمه بالأشياء إلى وسيلة للعلم مما يحتاجه الإنسان في ذلك ؟ ! تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . فما معنى ذلك إذا ؟ ! الظاهر أن هذا أسلوب قرآني مميّز يستعمل الأفعال المنسوبة إلى اللّه بالطريقة التي تنسب إلى الإنسان من أجل التأكيد على ارتباط النتيجة بالمقدمات في طبيعة الأشياء ؛ وإن اختلفت في طريقة نسبتها إلى اللّه الذي يعلم الأشياء قبل حصولها ، ونسبتها إلى الإنسان الذي يحتاج إلى الوسيلة التي تؤدي إلى العلم . . .
وهذا أسلوب جرى عليه القرآن في طريقة المحاكاة في الموارد التي لا يحمل فيها الفعل طبيعة المعنى الذي أطلق عليه ، كما في قوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 194 ] ؛ مع أن انتصار الإنسان لنفسه لا يعتبر اعتداء ، ولكن المشاكلة لا تخلو من المناسبة التي تعطي الفكرة بتناسب الفعل مع ردّ الفعل . وعلى ضوء ذلك يكون المقصود : ليظهر اللّه الذين آمنوا من خلال التجربة . فالقضية قضيّة تعبيريّة فنيّة ولا صلة لها بالمضمون ، فلا حاجة إلى ما ذكره صاحب مجمع البيان في تفسيره ، قال : « . . .
وإذا كان اللّه تعالى يعلمهم قبل إظهارهم الإيمان ، كما يعلمهم بعده ، فإنما يعلم قبل الإظهار أنهم سيميزون ، فإذا أظهروه علمهم متميزين ، ويكون التّغيّر حاصلا في المعلوم لا في العالم ، كما أنّ أحدنا يعلم الغد قبل مجيئه ، على معنى أنه سيجيء ، فإذا جاء علمه جائيا ، وعلمه يوما لا غدا ، فإذا انقضى فإنما يعلمه الأمس لا يوما ولا غدا ، ويكون التغيّر واقعا في المعلوم لا في العالم » « 1 » .
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 844 .