تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
الظاهر أن المراد منه جمع الشاهد ، لا جمع الشهيد - كما ذكره صاحب تفسير الكشاف « 1 » - وقد تكرر في القرآن الحديث عن أن اللّه جعل هذه الأمة في موضع الشهادة على الناس :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
[ البقرة : 143 ] ؛ أمّا علاقة ذلك بالمعركة - التجربة - الامتحان ، فهي تعميق الإيمان وتصفيته وتنميته في نفس الإنسان المؤمن ، مما يجعله في مستوى الشهادة التي تحتاج إلى عمق وصفاء وامتداد في الإيمان . . . وربما تنطلق التجربة الصعبة التي تتنوع فيها المشاكل وتتكرر فيها الحلول وتشتد فيها المعاناة ، لتعمل - بأجمعها - على صنع الإنسان القيادي ، والمؤمن الصلب الواعي المتحدّي الفاعل ، لأن مسألة القيادة ليست مسألة متصلة بالجانب الفكري للإنسان ، بل هي - إلى جانب ذلك - مسألة مرتبطة بالتجربة الحيّة التي تتحرك في وعي الإنسان في ساحة المعاناة ومواقع الصراع ، وهذا واقع دور الشهادة الذي يطلّ بالإنسان على واقع الأمّة ليرصد كل حركتها الإيجابية أو السلبية في خط الاستقامة أو الانحراف من خلال وعيه الحركي للجانبين معا ، ومعاناته في الإصرار على الموقف الحق في صراع الحق والباطل . وفي ضوء هذا ، قد نجد معنى الشاهد في الشهادة أقرب من معنى الشهيد ، لا سيما أن اللّه قد حدثنا في القرآن في أكثر من آية عن الشهداء على الناس ، من دون أن يتحدث عن الشهيد بهذا التعبير في آية واحدة ، بل لم يعهد استعماله في القرآن ، وإنما هو من الألفاظ المستحدثة الإسلامية - كما يقول صاحب الميزان - مع ملاحظة أخرى ، وهي أن كلمة
وَيَتَّخِذَ
لا تتناسب مع الشهداء بمعنى قتلى المعركة . فقد لا يكون من المألوف أن يقال اتخذ اللّه فلانا مقتولا في سبيله أو شهيدا كما يقال : اتخذ اللّه إبراهيم خليلا ، أو اتخذ اللّه
هامش
( 1 ) انظر : تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 466 .
من وحي القرآن — صفحة 286 | السيد محمد حسين فضل الله