بحيث لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوى فيميله ، ثم لا شك أن من العباد عبادا ، إذ رأى الشيطان أثر سلطنة ولايتهم ، وعزة أحوالهم ، يذوب كما يذوب الملح في الإناء ، ولا يبقى له حيل ، ولا يطيق أن يمكر بهم ، بل ينسى في رؤيتهم جميع مكرياته ، ولا يطيق أن يرمي إليهم من أسهم وسوسته ، بل مكره محيط به ، لا بأهل الحق ، وهكذا حال ورثة الشيطان من المنكرين المفسدين ، مع أهل اللّه تعالى ، فإنهم محفوظون عما سوى اللّه تعالى مطلقا .
وجملة قوله :
قالَ فَالْحَقُّ
مستأنفة كالجمل التي قبلها ؛ أي : قال اللّه تعالى :
فَالْحَقُّ
إلخ . الفاء : فاء الفصيحة ؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر ، تقديره : إذا حلفت بصفتي على إغوائهم ، ثم أغويتهم ، لتكون بارا في قسمك ، وأردت بيان عاقبتك وعاقبتهم . . فأقول لك : الحق ، بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف ؛ أي : فالحق قسمي ، على أن الحق اسم من أسماء اللّه تعالى ، كما في قوله تعالى :
أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
، أو نقيض الباطل ، عظمه اللّه تعالى بإقسامه به ، ويحتمل أن يكون التقدير : فالحق مني ، كما قال :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ *
وَالْحَقَّ أَقُولُ
بالنصب على أنه مفعول لأقول ، قدم عليه للقصر ؛ أي : لا أقول إلا الحق .
وقوله :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ
؛ أي : من جنسك من الشيطان ، والجملة جواب القسم ، وجملة
وَالْحَقَّ أَقُولُ
معترضة بين القسم وجوابه ،
وَمِمَّنْ تَبِعَكَ
في الغواية والضلال بسوء اختياره
مِنْهُمْ
؛ أي : من ذرية آدم
أَجْمَعِينَ
تأكيد للكاف وما عطف عليه ؛ أي : لأملأنها من المتبوعين والأتباع أجمعين ، لا أترك أحدا منهم . وفي « التأويلات النجمية » : ولما كان تجاسره في مخاطبته الحق ، حيث أصر على الخلاف ، وأقسم عليه أقبح وأولى في استحقاق اللعنة ، من امتناعه السجود لآدم ، قال فالحق إلخ ، انتهى . فعلى العاقل أن يتأدب بالآداب الحسنة ، قولا وفعلا ، ولا يتجاسر على اللّه تعالى أصلا ، ولا يتبع خطوات الشيطان ، حتى لا يرد معه النار .
وقرأ الجمهور :
فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ
بنصبهما ، أما الأول فمقسم به ، حذف منه الحرف كقولهم : أمانة اللّه لأقومن ، والمقسم عليه
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
وَالْحَقَّ