تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
ترى إلى أن الميت يبقى بعد مفارقة الروح كالخشب اليابس ، ثم في إضافة الروح ، إشارة إلى تقديم روح آدم على أرواح الملائكة وغيرها ؛ لأن المضاف إلى القديم قديم ، وإن كان جسد بعض الأشياء متقدما على جسده . قوله :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ
في الكلام حذف ، تدل عليه الفاء ، والتقدير : فخلقه فسواه ، فنفخ فيه الروح ، فسجد الملائكة
كُلُّهُمْ
بحيث لم يبق منهم أحد ، إلا سجد
أَجْمَعُونَ
بطريق المعية ، بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد . فالأول : لقصد الإحاطة ، والثاني : لقصد الاجتماع ، قال في « الكشاف » : فأفادا معا ، أنهم سجدوا عن آخرهم ، ما بقي منهم ملك إلا سجد ، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد ، غير متفرقين في أوقات ، وقيل : إنه أكد بتأكيدين ، للمبالغة في التعميم .
إِلَّا إِبْلِيسَ
فإنه لم يسجد ، والاستثناء متصل ؛ لأنه كان من الملائكة فعلا ، ومن الجن نوعا ، ولذلك تناوله أمرهم ، وكان اسم إبليس قبل أن يبلس من رحمة اللّه تعالى ، عزازيل والحارث ، وكنيته : أبو كردوس وأبو مرة ، كأنه سئل كيف ترك السجود ، هل كان ذلك للتروي والتأمل ، أو غير ذلك ؟ فقيل :
اسْتَكْبَرَ
وتعظم عن السجود لآدم . وسببه أنه كان أعور ، فما رأى آثار أنوار التجلي على آدم عليه السلام . وقيل : الاستثناء منقطع على ما هو الظاهر من عدم دخوله فيهم ؛ أي : لكن إبليس
اسْتَكْبَرَ
وأنف من السجود جهلا منه ، بأنه طاعة للّه تعالى
وَ
كان استكباره استكبار كفر ، فلذلك
كانَ مِنَ الْكافِرِينَ
؛ أي « 1 » : صار منهم بمخالفته لأمر اللّه ، واستكباره عن طاعته ، أو كان من الكافرين في علم اللّه سبحانه ، أزلا بالذات ، وفي الخارج أبدا باستقباح أمر اللّه . ولذا كانت شقاوته ذاتية لا عارضية ، وسعادته في البين عارضية لا ذاتية ، فالعبرة لما هو بالذات ، وذلك لا يزول لا لما هو بالعرض ، إذ ذاك يزول . أي « 2 » : صار من الكافرين ، بإبائه عن أمر اللّه ، بعد أن كان مسلما عابدا للّه سبحانه مع الملائكة ، نحو ثمانين ألف سنة ، وطاف بالبيت أربعة عشر ألف عام ،
هامش
( 1 ) روح البيان . ( 2 ) الفتوحات .