تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
يحسن أن يسجد الفاضل للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر ، ظن أن ذلك شرف له ، ولم يعلم أن الشرف يكتسب بطاعة اللّه تعالى ، ولقد أخطأ اللعين ، حيث خص الفضل بما من جهة المادة والعنصر ، وزل عما من جهة الفاعل ، كما أنبأ عنه قوله تعالى :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
، وما من جهة الصورة ، كما نبه عليه قوله تعالى :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
. وما من جهة الغاية ، وهو ملاك الأمر ، كما قال تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ
، ولذلك أمر الملائكة بسجوده ، حين ظهر لهم ، أنه أعلم منهم ، بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض ، وأن له خواص ليست لغيره . ومراده : أن النار أقرب إلى الأشرف الذي هو الفلك . وهي خليفة الشمس والقمر في الإضاءة والحرارة ، وهي ألطف من الأرض ، وهي مشرقة ، وهي شبيه الروح ، وأشرف الأعضاء القلب والروح ، وهما على طبيعة النار ، وكل جسم أشبه النار ، كالذهب والياقوت فهو أشرف ، والشمس أشرف الأجسام ، وهي تشبه النار في الطبع والصورة ، وأيضا لم يتم المزاج إلا بالحرارة ، ومآل كل هذه إلى أن أصله خير فهو خير . وهذا ممنوع ، ولذا قال من قال :
أتفخر باتّصالك من عليّ * وأصل البولة الماء القراح
وليس بنافع نسب زكيّ * تدنّسه صنائعك القباح
فيجوز أن يكون أصل أحد الشيئين أفضل ، وينضم إليه ما يقتضي مرجوحيته ، كما في إبليس ، فإنه قد انضم إلى أصله عوارض رديئة ، كالكبر والحسد والعجب والعصيان ، فاقتضت اللعنة عليه ، وأمر آدم عليه السلام بالعكس . وقال في « آكام المرجان » : اعلم أن هذه الشبهة التي ذكرها إبليس ، إنما ذكرها على سبيل التعنت ، وإلا فامتناعه عن السجود لآدم ، إنما كان عن كبر وكفر ، ومجرد إباء وحسد ، ومع ذلك فما أبداه من الشبهة فهو داحض ؛ أي : باطل ؛ لأنه رتب على ذلك ، أنه خير من آدم ، لكونه خلق من نار ، وآدم خلق من طين ، ورتب على هذا ، أنه لا يحسن منه الخضوع ، لمن هو دونه ، وهذا باطل من وجوه :