وقرأ الجحدري لما خلقت بفتح اللام وتشديد الميم ، على أنها ظرف بمعنى : حين ، كما قال أبو علي الفارسي ، وقرأ : بيدي على الإفراد . وقرأ الجمهور « 1 » :
بِيَدَيَّ
على التثنية ، وقرأ بيدي كقراءة
بِمُصْرِخِيَّ
، وقال تعالى :
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
. وقرأ الجمهور :
أَسْتَكْبَرْتَ
بهمزة الاستفهام ، فأم متصلة عادلت الهمزة ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع ، وقرأ ابن كثير في رواية عنه ، وأهل مكة بألف وصل ، ويجوز أن يكون الاستفهام مرادا ، فيوافق القراءة الأولى . كما في قول الشاعر :
تروح من الحيّ أم تبتكر
وقول الآخر :
بسبع رمين الجمر أم بثمانيا
ويحتمل أن يكون إخبارا محضا ، من غير إرادة للاستفهام ، فتكون
أَمْ
منقطعة . والمعنى : استكبرت عن السجود الذي أمرت به ، بل أ
كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
.
وجملة قوله :
قالَ
إبليس إبداء للمانع :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
؛ أي : أفضل من آدم ، مستأنفة ، واقعة في جواب سؤال مقدر ، وفي ضمن كلامه هذا : أن سجود الفاضل للمفضول لا يحسن ؛ أي : ولو كنت مساويا له في الشرف ، لكان يقبح أن أسجد له ، فكيف وأنا خير منه ؟ .
ثم بيّن وجه الخيرية منه بقوله :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ
نسب خلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب ، إذ الشيطان مخلوق من نار وهواء .
وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
نسب خلقه إلى الطين ، باعتبار الجزء الغالب أيضا ، إذ آدم مخلوق من العناصر الأربعة .
والمعنى « 2 » : لو كان آدم مخلوقا من نار ، لما سجدت له ؛ لأنه مثلي ، فكيف أسجد لمن هو دوني ؟ ؛ لأنه من طين ، والنار تغلب الطين وتأكله ، فلا
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) روح البيان .