نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
، وفي وصف أيوب كذلك ، ولم يلزم من الأوابية الذنب ، لأن بلاء أيوب ، كان من قبيل الامتحان .
والمعنى : أي « 1 » إنا وجدنا أيوب صابرا على ما أصابه في النفس والأهل والمال ، من أذى ، فجازيناه بما فرّج كربته وأذهب لوعته ، وليس في الشكوى إلى اللّه إخلال بالصبر ، وليس فيه شيء من الجزع ، فهو كتمني العافية وطلب الشفاء ، وقد روي أنه كان يقول كلما أصابته مصيبة : اللهم أنت أخذت وأنت أعطيت ، وكان يقول في مناجاته : إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي ، ولم يتبع قلبي بصري ، ولم يلهني ما ملكت يميني ، ولم آكل إلا ومعي يتيم ، ولم أبت شبعان ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان .
فإن قلت « 2 » : كيف وصف اللّه تعالى أيوب عليه السلام بالصبر ، مع أن الصبر ترك الشكوى من ألم البلوى ، وهو قد شكا بقوله :
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ
، وقوله :
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
؟ .
قلت : الشكوى إلى اللّه تعالى لا ينافي الصبر ، ولا تسمى جزعا لما فيها من الجهاد والخضوع والعبودية للّه تعالى ، والافتقار إليه ، ويؤيده قول يعقوب عليه السلام :
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
مع قوله :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
، وقولهم :
الصبر ترك الشكوى ؛ أي : إلى العباد ، أو أنه عليه السلام ، طلب الشفاء من اللّه تعالى ، بعد ما لم يبق منه إلا قلبه ولسانه ، خيفة على قومه ، أن يفتنهم الشيطان ، ويوسوس إليهم ، أنه لو كان نبيا لما ابتلي بما هو فيه ، ولكشف اللّه ضره إذا دعاه .
ويروى : أن اللّه تعالى لما أذهب عن أيوب ما كان فيه من الأذى ، أنزل عليه ثوبين أبيضين من السماء ، فاتزر بأحدهما ، وارتدى بالآخر ، ثم مشى إلى منزله ، فأقبلت سحابة ، فسحت في أندر قمحه ذهبا حتى امتلأ ، وأقبلت سحابة
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) فتح الرحمن .