قلت : إن استغراقهم في الطاعة ، إنما هو لاستغراقهم في الشوق إلى لقاء اللّه ، ولما لم يكن ذلك إلا في الآخرة ، استغرقوا في تذكرها ، وفي « التأويلات النجمية » : إنا صفيناهم عن شوب صفات النفوس ، وكدورة الأنانية ، وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية ، ليس لغيرنا فيهم نصيب ، ولا يميلون إلى الغير بالمحبة العارضة ، لا إلى أنفسهم ، ولا إلى غيرهم ، بسبب خصلة خالصة غير مشوبة بهمّ آخر ، هي ذكرى الدار الباقية ، والمقر الأصلي ؛ أي : استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس ، وإعراضهم عن معدن الرجس ، مستشرقين لأنواره ، لا التفات لهم إلى الدنيا ، وظلماتها أصلا ، انتهى .
وقرأ أبو جعفر ، وشيبة ، والأعرج ، ونافع ، وهشام « 1 » :
بِخالِصَةٍ
بغير تنوين أضيفت إلى
ذِكْرَى
. وقرأ باقي السبعة بالتنوين ، و
ذِكْرَى
بدل من
بِخالِصَةٍ
. وقرأ الأعمش ، وطلحة بخالصتهم .
والمعنى : أي إنا جعلناهم خالصين لطاعتنا ، عاملين بأوامرنا ونواهينا ، لاتصافهم بخصلة جليلة الشأن ، لا يساويها غيرها من الخصال ، وهي تذكرهم الدار الآخرة ، فهي مطمح أنظارهم ، ومطرح أفكارهم في كل ما يأتون ، وما يذرون ، ليفوزوا بلقاء ربهم ، وينالوا رضوانه في جنات النعيم .
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ
؛ أي : لمن المختارين في الدنيا بالنبوة والإسلام
الْأَخْيارِ
عند اللّه يوم القيامة .
والمعنى « 2 » : أي وإنهم لمن المختارين ، الذين جبلت نفوسهم على الخير فلا تطمح إلى الأذى ، ولا تميل إلى التباغض والتحاسد ، ولا ترتكب الشرور والآثام .
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ
بن إبراهيم عليهما السلام ، وإنما فصل ذكره عن ذكر أبيه
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) المراغي .