تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
تقييدهم وتصفيدهم بالأغلال والأصفاد ؟ . وفيه إشكال ، وهو أن هذه الشياطين ، إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة ، فإن كانت كثيفة ، وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة ، إذ لو جاز أن لا يراهم مع كثافة أجسادهم ، لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية ، وأصوات هائلة لا نراها ، ولا نسمعها ، وذلك سفسطة ، وإن كانت أجسادهم لطيفة ، واللطافة تنافي الصلابة ، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة ، بحيث يقدر بها على ما لا يقدر عليه البشر ؛ لأن الجسم اللطيف ، يكون ضعيف القوام ، تتمزق أجزاؤه بأدنى المدافعة ، فلا يطيق تحمل الأشياء الثقيلة ، ومزاولة الأعمال الشاقة ، وأيضا لا يمكن تقييده بالأصفاد والأغلال ، قلنا : إن أجسادهم لطيفة ، ولكن شفافة ، ولطافتها لا تنافي صلابتها ، بمعنى الامتناع من التفرق ، فلكونها لطيفة لا ترى ، ولكونها صلبة يمكن تقييدها ، وتحملها الأشياء الثقيلة ومزاولتها الأعمال الشاقة ، ولو سلم أن اللطافة تنافي الصلابة ، إلا أنا ، لا نسلم أن اللطيف الذي لا صلابة له ، يمتنع أن يتحمل الأشياء الثقيلة ، ويقدر على الأعمال الشاقة ، ألا ترى : أن الرياح العاصفة تفعل أفعالا عجيبة ، لا تقدر عليها جماعة من الناس . وفي « الأسئلة المقحمة » : الجن أجسام مؤلفة ، وأشخاص ممثلة ، ولا دليل يقضي بأن تلك الأجسام لطيفة أو كثيفة ، بل يجوز أن تكون لطيفة ، وأن تكون كثيفة ، وإنما لا نراهم لا للطافتهم كما يزعمه المعتزلة ، ولكن لأن اللّه تعالى لم يخلق فينا إدراكا لهم ، انتهى . والحق أن يقال « 1 » : إنا لا نعلم حقيقة تلك القيود ، ولا كيف تكون العقوبة ، كما لا نعلم كيف يشتغل الشياطين ، وكيف يبنون أو يغوصون ؟ . فكل ذلك في عالم لا ندرك شيئا من أحواله ، فعلينا أن نؤمن ، بأن سليمان لعظم ملكه ، لم يكتف بتسخير الإنس في أعماله ، بل سخر معهم الجن ، فيما يصعب عليهم ، ونتقبل هذا كما قصه القرآن ، دون دخول في التفاصيل خوفا من الزلل الذي لا
هامش
( 1 ) المراغي .