تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
وملكوته ، فسخر اللّه له الريح ، وأجراها بمراده ، وهذا جزاء صبره في ترك حظوظ نفسه . وقوله :
تَجْرِي
وتهب
بِأَمْرِهِ
؛ أي : بأمر سليمان . بيان لتسخيرها له . وقوله :
رُخاءً
حال من ضمير
تَجْرِي
؛ أي : حالة كون تلك الريح ، لينة الهبوب ، طيبة لا عاصفة تزعزع ، ولا ينافي « 1 » هذا قوله في آية أخرى
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ
؛ لأن المراد : أنها في قوة العاصفة ولا تعصف . وقيل : إنها كانت تارة رخاء ، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان ، ويشتهيه ، وهذا أولى في الجمع بين الآيتين ، أو المعنى : لينة في أثناء سيرها عاصفة في أوله . وقوله :
حَيْثُ أَصابَ
ظرف ل
تَجْرِي
؛ أي : تجري إلى حيث قصد وأراد من النواحي والأطراف . واعلم : أن المراد بقوله :
بِأَمْرِهِ
: جريان الريح بمجرد أمره من غير جمعية خاطر ، ولا همة قلب ، فهو الذي جعل اللّه من الملك ، الذي لا ينبغي لأحد من بعده ، لا مجرد التسخير ، فإن اللّه تعالى ، سخر لنا أيضا ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ، ولكن إنما تفعل أجرام العالم لهمم النفوس ، إذا أقيمت في مقام الجمعية ، فهذا التسخير عن أمر اللّه ، لا عن أمرنا ، كحال سليمان عليه السلام ، والمعنى ؛ أي : فذللنا لطاعته إجابة لدعوته الريح ، تجري لينة طائعة له ، لا تمتنع عليه إلى أي جهة قصد . وقرأ الجمهور « 2 » :
الرِّيحَ
بالإفراد . وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، وأبو جعفر :
الرِّيحَ
بالجمع ، وهو أعم لعظم ملك سليمان ، وإن كان المفرد بمعنى الجمع لكونه اسم جنس . 2 -
وَالشَّياطِينَ
معطوف على الريح
كُلَّ بَنَّاءٍ
بدل من الشياطين ، وهو مبالغة بأن اسم فاعل من بنى ، وكانوا يعملون له عليه السلام ، ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان ، كالجواب وقدور راسيات ، كما سبق في سورة سبأ ، ويبنون له الأبنية الرفيعة بدمشق واليمن ، ومن بنائهم : بيت المقدس وإصطخر
هامش
( 1 ) الشوكاني . ( 2 ) البحر المحيط .