ثم ارتقى إلى ما هو أشد في الإنكار ، فأمرهم أمر تهكم بارتقاء الأسباب .
فقال :
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
؛ أي : بل ألهم ملك هذه الأشياء ، حتى يعطوا من شاءوا ، ويمنعوا من شاءوا ، ويعترضوا على إعطاء اللّه سبحانه ما شاء لمن شاء . وقوله :
فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ
جواب شرط محذوف ؛ أي : إن كان لهم ملك ذلك فليصعدوا في الأسباب ، والطرق التي توصلهم إلى السماء ، أو إلى العرش ، حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع ، ويدبروا أمر العوالم بما يشتهون ، أو فليصعدوا ويمنعوا الملائكة من نزولهم بالوحي على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والأسباب : أبواب السماوات التي تنزل الملائكة منها ، قاله مجاهد ، وقتادة .
ومنه : قول زهير :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السّماء بسلّم
قال الربيع بن أنس : الأسباب : أدق من الشعر ، وأشد من الحديد ، ولكن لا ترى .
والمعنى : أي بل ألهم ملك هذه الأجرام العلوية ، والأجرام السفلية حتى يتكلموا في الشؤون الغيبية ، ويفكروا في التدابير الإلهية التي يستأثر بها رب العزة والكبرياء ، فإن كان الأمر كما يزعمون ، فليصعدوا في المعارج والمناهج ، التي يتوصل بها إلى العرش ، حتى يستووا عليه ، ويدبروا أمر العالم ، وينزلوا الوحي إلى من يختارون ويستصوبون ، حتى يظن صدق دعواهم ، إذ لا سبيل إلى التصرف فيه إلا بذلك . وفيه من التهكم بهم ما لا غاية وراءه .
والخلاصة « 1 » : أنه ليس لهم شيء من ذلك ، فلا سبيل لهم إلى توزيع رحمة اللّه تعالى ، بحسب ما يريدون ، وإعطاء النبوة لمن يشاءون . فذلك من شؤونه تعالى ، فهو الذي يفضل من يشاء من عباده على من يشاء .
ثم وعد سبحانه ، نبيه بالنصر والغلبة عليهم ، فقال :
جُنْدٌ
هو جمع معد للحرب
ما
مزيدة للتقليل والتحقير ، نحو : أكلت شيئا ما
هُنالِكَ
مركب من
هامش
( 1 ) المراغي .