ثم ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآيات الآتية : ستة أقوام من الذين كذبوا رسلهم ، وما آل إليه أمرهم لتكون ذكرى لأولئك المكذبين من قومه ، فيرعووا عن غيهم ، ويثوبوا إلى رشدهم . فقال :
1 -
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
؛ أي : قبل قومك يا محمد . وهم قريش
قَوْمُ نُوحٍ
وأنّث الفعل باعتبار المعنى . لأنهم بمعنى : أمة ، وطائفة ، وجماعة ؛ أي : كذبوا نوحا رسلهم وقد دعاهم إلى اللّه وتوحيده ألف سنة إلا خمسين عاما . وقالوا : إنه مجنون ، وهزءوا به . وكلما ألحف في الدعوة ، زادوا عتوا وعنادا . فدعا ربه ، وقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
. فأخذهم الطوفان وهم ظالمون .
ونجى اللّه نوحا ، ومن آمن معه ، كما قال :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ
( 14 ) .
2 -
وَ
كذبت أيضا قبلهم
عادٌ
وهم قوم هود رسولهم هودا ، فكذبوه ، فأهلكهم اللّه بريح صرصر عاتية ، كما قال في سورة الحاقة :
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ( 6 ) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
( 7 ) الآيات .
3 -
وَ
كذب
فِرْعَوْنُ
وقومه رسولهم موسى بن عمران . وقد بعث اللّه إليهم موسى ، وأيده بآياته التسع ، فأصر على الجحود والعناد ، وبغى ، وتجبر ، وقال : أنا ربكم الأعلى ، فأخذه اللّه أخذ عزيز مقتدر ، ونجى موسى وقومه بني إسرائيل ، كما قال في سورة يونس :
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ
الآيات . وقوله :
ذُو الْأَوْتادِ
؛ أي : صاحب الأوتاد صفة ل
فِرْعَوْنُ
، جمع وتد بفتح الواو وكسر التاء بزنة كتف ، وهو ما غرز في الأرض أو الحائط من خشب ، قال المفسرون : لقب بذلك ؛ لأنه كانت له أوتاد يعذب بها الناس ، وذلك أنه كان إذا غضب على أحد ينصب أربع خشب في الهواء ، وكان يمد يدي المعذب ورجليه إلى تلك الخشب الأربع ، ويضرب على كل واحد من هذه الأعضاء وتدا من حديد ، ويتركه في الهواء حتى يموت ، وقال مجاهد : كان يمد