تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
ذلك ونحن رؤساء الناس ، وأشرافهم ، وأكبرهم سنا ، وأكثرهم أموالا وأعوانا ، وأحقاء بكل منصب شريف ؟ . ومرادهم : إنكار كون القرآن ذكرا ، منزلا من اللّه تعالى ، وأمثال هذه المقالات الباطلة ، دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد ، على اختصاصه صلى اللّه عليه وسلم بشرف النبوة من بينهم ، وحرمانهم منه ، وقصر النظر على متاع الدنيا ، وغلطوا في القصر ، والقياس . أما الأول : فلأن الشرف الحقيقي ، إنما هو بالفضائل النفسانية دون الخارجية . وأما الثاني : فلأن قياس نفسه صلى اللّه عليه وسلم بأنفسهم فاسد . إذ هو روح الأرواح ، وسيد الخليقة ، فأنى يكون هو مثلهم ؟ . وأما الصورة الإنسانية فميراث عام من آدم عليه السلام ، لا تفاوت فيما بين شخص وشخص ، نعم ، وجهه صلى اللّه عليه وسلم كان يلوح منه أنوار الجمال ، بحيث لم يوجد مثله فيما بين الرجال . فإن قلت : لم قال هنا :
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
بلفظ
أَ أُنْزِلَ
؟ وقال : في سورة القمر :
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ
بلفظ
أُلْقِيَ
؟ . فما الفرق بين الموضعين ؟ قلت : فما هنا حكاية عن كفار قريش ، فناسب التعبير ب
أُنْزِلَ
لوقوعه إنكارا لما قرأه النبي صلى اللّه عليه وسلم عليهم ، من قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
. وما في القمر حكاية عن قوم صالح ، وكانت الأنبياء تلقي إليهم صحفا مكتوبة ، فناسب التعبير -
أُلْقِيَ
. وقدم الجار والمجرور على الذكر هنا ، موافقة لما قرأه النبي صلى اللّه عليه وسلم على المنكرين ، وعكس في القمر جريا على الأصل ، من تقديم المفعول بلا واسطة على المفعول بواسطة ، اه من « فتح الرحمن » . والمعنى « 1 » : أي إنه من البعيد أن يختص محمد صلى اللّه عليه وسلم ، من بيننا ، بإنزال القرآن عليه ، وفينا ذو الجاه والشرف والرئاسة والكياسة . كما حكى اللّه عنهم أنهم قالوا :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
. ثم نعى عليهم
هامش
( 1 ) المراغي .