أفصحت عن جواب شرط مقدر ، تقديره : إذا علمت أن النصرة والغلبة لك ولأتباعك ، وأردت بيان ما هو الأصلح لك : فأقول لك : تول عنهم ؛ أي :
أعرض عن كفار مكة ، واصبر على أذاهم
حَتَّى حِينٍ
؛ أي : إلى مضي زمن معلوم عند اللّه ، ومدة يسيرة تؤمر بعدها بجهادهم . فكان صلى اللّه عليه وسلم أول الأمر مأمورا بالتبليغ والإنذار ، والصبر على أذى الكفار ، تأليفا لهم ، ثم أمر بالجهاد في السنة الثانية من الهجرة ، وهي مدة الكف عن القتال ، قال السدي ومجاهد : حتى نأمرك بالقتال . وقيل : إلى يوم بدر . وقيل : إلى يوم فتح مكة ، فالآية محكمة لا منسوخة بآية القتال ، وقيل : الآية منسوخة بآية السيف .
وَأَبْصِرْهُمْ
يا محمد ، وانظر إليهم على أسوأ حال وأفظع نكال ، حل بهم من القتل والأسر ، والمراد بالأمر بإبصارهم : الإيذان بغاية قربه ، كأنه بين يديه يبصره في الوقت ، وإلا فمتعلق الإبصار لم يكن حاضرا عند الأمر
فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
ما يقع بهم . سوف للوعيد ، لا للتبعيد ، أو فسوف يبصرون ما قضينا لك من التأييد ، والنصرة ، والثواب في الآخرة ، أو انظر إليهم إذا عذبوا ، فسوف يبصرون ما أنكروا ، أو أعلمهم فسوف يعلمون .
والمعنى « 1 » : أي وانظر وارتقب ما يحل بهم من العذاب والنكال ، بمخالفتك وتكذيبك ، وسوف يبصرون انتشار دينك ، وإقبال الناس عليه أفواجا زرافات ووحدانا ، مصداقا لوعده بقوله :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
( 3 ) . وفي « التأويلات النجمية » : فسوف يبصرون جزاء ما عملوا من الخير والشر ، انتهى . و ( سوف ) للوعيد ، ليتوبوا ويؤمنوا دون التبعيد ؛ لأن تبعيد الشيء المحذر منه كالمنافي لإرادة التخويف به . ولما نزل قوله :
فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
قالوا استعجالا ، واستهزاء لفرط جهلهم : متى هذا ؟ فنزل قوله :
أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ
( 204 ) والهمزة « 2 » : للاستفهام الإنكاري التعجبي ، داخلة على محذوف ، والفاء :
عاطفة على ذلك المحذوف ، والتقدير ؛ أي : أبعد هذا التكرير من الوعيد ينكرون
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) روح البيان .