وعدم لوم الضال والمضل بما كسبا ، لما أشير إليه ، من أنهم لا يقدرون على إضلال أحد ، إلا إضلال من علم اللّه منه اختيار الكفر ، والإصرار عليه . وعلم اللّه ، وتقديره ، وقضاؤه فعلا من أفعال المكلفين ، لا ينافي اختيار العبد ، وكسبه .
قوله :
وَما مِنَّا
حكاية اعتراف الملائكة للرد على عبدتهم ، كأنه قيل :
ويقول الملائكة الذين جعلتموهم بنات اللّه ، وعبدتموهم بناء على ما زعمتم ، من أن بينهم وبينه تعالى مناسبة ، وجنسية جامعة . وما منا أحد ؛ أي : وما أحد كائن منا معشر الملائكة
إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
في السماوات ، يعبد اللّه فيه ، لا يتجاوزه .
وفي « السمين » : في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أن
مِنَّا
صفة لموصوف محذوف هو مبتدأ ، والخبر الجملة من قوله :
إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
تقديره : ما أحد منا إلا له مقام معلوم . وحذف المبتدأ مع
مَنْ
جيد فصيح .
والثاني : أن المبتدأ محذوف أيضا ، و
إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
صفة حذف موصوفها ، والخبر على هذا هو الجار المتقدم ، والتقدير : وما منا أحد إلا له مقام معلوم ، انتهى . وقيل : التقدير : وما منا إلا من له مقام معلوم . يعني « 1 » : أن جبرائيل قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : وما منا معشر الملائكة ملك إلا له مقام معلوم ؛ أي :
مرتبة ، ومنزلة ، ووظيفة لا يتعداها . فمنا الموكل بالأرزاق ، ومنا الموكل بالآجال ، ومنا الموكل بإنزال الوحي ، ومنا راكع لا يقيم صلبه ، ومنا ساجد لا يرفع رأسه خضوعا لعظمته ، وخضوعا لهيبته ، وتواضعا لجلاله ، ولكل منزلته من العبادة ، والتقريب ، والتشريف .
ففي الآية تنبيه على فساد قول المشركين : إنهم أولاد اللّه ؛ لأن مبالغتهم في إظهار العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية ، فكيف يكون بينه تعالى وبينهم جنسية ؟ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح ، بل والعالم مشحون بالأرواح ، فليس فيه موضع بيت ولا
هامش
( 1 ) الخازن .