الجنسين لأنفسهم ، وأخسهما لربهم .
والمعنى : أي شيء ثبت لكم ، كيف تحكمون للّه بالبنات ، وهو القسم الذي تكرهون ، ولكم بالبنين ، وهو القسم الذي تحبونه .
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 155 ) بحذف إحدى التاءين من تتذكرون . والهمزة فيه للتوبيخ ، داخلة على محذوف يقتضيه المقام ، والفاء : عاطفة على ذلك المحذوف ، والتقدير : أتلاحظون ذلك الحكم فلا تتذكرون بطلانه ، فترجعوا عنه ، فإنه مركوز في عقل ذكي وغبي . وقرأ طلحة بن مصرف « 1 » : تذكرون بسكون الذال وضم الكاف .
ثم انتقل إلى تبكيت آخر ، فقال :
أَمْ لَكُمْ
؛ أي : بل ألكم
سُلْطانٌ مُبِينٌ
وحجة واضحة ظاهرة ، نزلت عليكم من السماء ، بأن الملائكة بنات اللّه ، ضرورة أن الحكم بذلك لا بد له من سند حسي أو عقلي . وحيث انتفى كلاهما فلا بد من سند نقلي
فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ
الناطق بصحة دعواكم ، فالباء : للتعدية ، أو فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
فيما تقولونه . فإذا لم ينزل عليكم كتاب سماوي فيه ذكر ذلك الحكم ، فلم تصرون على الكذب ، ولا يخفى ما في هذه الآيات من الدلالة على السخط العظيم والإنكار الشديد لأقاويلهم ، وتسفيه أحلامهم مع الاستهزاء بهم والتعجيب من جهلهم .
ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة للإيذان بانقطاعهم عن الجواب ، وسقوطهم عن درجة الخطاب ، واقتضاء حالهم أن يعرض عنهم ويحكي جناياتهم لآخرين ، فقال
وَجَعَلُوا
؛ أي : وجعل هؤلاء المشركون
بَيْنَهُ
تعالى
وَبَيْنَ الْجِنَّةِ
؛ أي : الملائكة . وسموا جنة لاجتنانهم واستتارهم عن الأبصار
نَسَباً
؛ أي : مشاكلة ، ومناسبة . فقالوا : الملائكة بنات اللّه ، والنسب ، والنسبة اشتراك من جهة الأبوين ، وذلك ضربان : نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والأبناء ، ونسب بالعرض كالنسبة بين الأخوة وبني العم ، ويقال : فلان نسيب فلان ؛ أي : قريبه .
هامش
( 1 ) البحر المحيط .