للهمزة ، كأن المستفهم يدعي ثبوت أحد الأمرين عندهم ، ويطلب تعيينه منهم قائلا : أي هذين الأمرين تدعونه ، اه « زاده » .
والمعنى على الأول : أي بل أخلقنا الملائكة الذين هم من أشرف الخلائق ، وأبعدهم من صفات الأجسام ورذائل الطبائع إناثا ، والأنوثة من أخس صفات الحيوان . ولو قيل لأدناهم : فيك أنوثة لتمزقت نفسه من الغيظ لقائله ، ففي جعلهم الملائكة إناثا استهانة شديدة بهم .
أي : كيف جعلوهم إناثا وهم لم يحضروا عند خلقنا لهم . وهذا كقوله :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ
. فبيّن سبحانه ، أن مثل ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة ، ولم يشهدوا ، ولا دل دليل على قولهم من السمع ، ولا هو مما يدرك بالعقل ، حتى ينسبوا إدراكه إلى عقولهم .
وهذا « 1 » ترق في التوبيخ لهم على هذه المقالة ، إذ أن ذلك لا يعلم إلا بالمشاهدة أو النقل ، ولا سبيل إلى معرفته بالعقل حتى يقوم الدليل ، والبرهان على صحته ، والنقل الصحيح الذي يؤيد ما تدعون لا يوجد ، فلم تبق إلا المشاهدة ، وهذه لم تحصل .
ثم بيّن فساد منشأ هذه العقيدة الزائفة ، فقال :
أَلا
حرف تنبيه
إِنَّهُمْ
؛ أي : إن هؤلاء المشركين
مِنْ إِفْكِهِمْ
، أي : من أجل كذبهم الأسوأ . وهو متعلق بقوله :
لَيَقُولُونَ
وَلَدَ اللَّهُ
: فعل ، وفاعل .
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
فيما يتدينون به من قولهم : ذلك كذبا بيّنا لا ريب فيه . قرأ الجمهور :
وَلَدَ اللَّهُ
فعلا ماضيا ، مسندا إلى اللّه سبحانه . وقرئ « 2 » بإضافة
وَلَدَ
إلى
اللَّهُ
على أنه خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : يقولون الملائكة ولد اللّه . وولد فعل بمعنى مفعول ، يستوي فيه الواحد ، والمثنى والجمع ، والمذكر والمؤنث ، والقليل والكثير . وفيه « 3 » تجسيم له تعالى ، وتجويز الفناء عليه ؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام القابلة للكون
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) الشوكاني .
( 3 ) روح البيان .