وبعد أن بيّن أنه تعالى الكفيل بالأرزاق ، وهو الذي يبسط ويقدر ، نهاهم عن قتل الأولاد خشية الفقر ، فقال :
وَلا تَقْتُلُوا
يا معاشر العرب
أَوْلادَكُمْ
، ولا تئدوا بناتكم بدفنها حيّة
خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
؛ أي : لأجل خوف فقر وفاقة في المستقبل إن تركتموهم حية ؛ أي : لا تقتلوهم مخافة فقر ، ولا لغير مخافة ف
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
لا أنتم ، أي : نرزقهم « 1 » من غير أن ينقص من رزقكم شيء فيطرأ عليكم ما تخشونه من الفقر ، فلا تخافوا الفقر لعلمكم بعجزهم عن تحصيل رزقهم ، وقد كان العرب في جاهليتهم يقتلون البنات لعجزهم عن الكسب وقدرة البنين عليه بالغارات ، والسّلب والنّهب ، ولأنّ فقرهم ينفر الأكفاء عن الرغبة فيهنّ فيحتاجون إلى تزويجهن لغير الأكفاء ، وفي ذلك عار أيّما عار عليهم ، وقوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ
خطاب للموسرين بدليل قوله : خشية إملاق ، ولذلك قدّم الأولاد ، وما تقدّم في الأنعام خطاب للمعسرين ، ولذلك قدم ذكر الآباء وأخّر ذكر الأولاد ذكره الصاوي .
والحاصل : أن الحكمة في تقديم رزق الأبناء على رزق الآباء في قوله هنا :
نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
، وفي سورة الأنعام قدم رزق الآباء على رزق الأبناء حيث قال :
نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
. أنّ قتل الأولاد هنا كان خشية وقوع الفقر بسببهم ، فقدّم تعالى رزق الأولاد ، وفي الأنعام كان قتلهم بسبب فقر الآباء فعلا ، فقدّم رزق الآباء ، فللّه در التنزيل ما أدق أسراره ، فقتل « 2 » الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظنّ باللّه تعالى ، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم ، فالأول : ضد التعظيم لأمر اللّه تعالى ، والثاني : ضد الشفقة على خلق اللّه وكلاهما مذموم غاية الذم ، قال بعضهم : والذي حملهم على قتل الأولاد البخل وطول الأمل .
والخلاصة : أن الأرزاق بيد اللّه ، فكما يفتح خزائنه للبنين ، يفتحها للبنات ، فليس لكم سبب يدعو إلى قتلهن ، ومن ثمّ قال :
إِنَّ قَتْلَهُمْ
؛ أي : إنّ قتل
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) المراح .