الانبساط ، ولا تتوسّع في الإنفاق ، فتصير نادما مغموما ، وعاجزا عن الإنفاق لا شيء عندك ، فتكون كالدابة التي قد عجزت عن السير ، فوقفت ضعفا وعجزا وإعياء .
ثم سلّى رسوله والمؤمنين بأن الذي يرهقهم من الإضافة ليس لهوانهم على اللّه تعالى ، ولكن لمشيئة الخالق الرزاق فقال :
إِنَّ رَبَّكَ
أيها الرسول
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ
البسط عليه من عباده ، ويوسّعه عليه
وَيَقْدِرُ
؛ أي : يضيّق على من يشاء التضييق عليه بحسب السنن التي وضعها لعباده في كسب المال ، وحسن تصرفهم في جمعه بالوسائل والنظم التي وضعها في الكون ؛ أي : يوسعه على بعض ، ويضيّقه على بعض ، لحكمة بالغة لا لكون من وسّع له رزقه مكرما عنده ، ومن ضيّقه عليه مهانا لديه .
فعلى العاقل « 1 » : التسليم لأمر اللّه تعالى ، والرضى بقضائه ، والصّبر في موارد القبض ، والشكر في مواقع البسط ، والإنفاق مهما أمكن ، ثمّ علّل ما ذكره من البسط للبعض ، والتضييق على البعض بقوله :
إِنَّهُ
سبحانه وتعالى
كانَ بِعِبادِهِ
؛ أي : ببواطن عباده ،
خَبِيراً
وبظواهرهم
بَصِيراً
فيعلم ما يسرّون وما يعلنون ، لا يخفى عليه من ذلك خافية ، فهو الخبير بأحوالهم ، البصير بكيفية تدبيرهم ، في أرزاقهم .
والمعنى : أنّ « 2 » ربّك ذو خبرة بعباده فيعلم من الذي تصلحه السّعة في الرزق ، ومن الذي تفسده ، ومن الذي يصلحه الإقتار والضّيق ، ومن الذي يفسده ، وهو البصير بتدبيرهم وسياستهم فعليك أن تعمل بما أمرك به ، أو نهاك عنه من بسط يدك فيما تبسط فيه ، وفيمن تبسطها له ، وفي كفها عمن تكفها عنه ، فهو أعلم بمصالح العباد منك ، ومن جميع الخلق ، وأبصرهم بتدبير شؤونهم .
وقصارى ذلك : أنكم إذا علمتم أنّ شأنه تعالى البسط والقبض ، وأمعنتم النظر في ذلك وجدتم أنّ من سننه تعالى الاقتصاد ، فاقتصدوا واستنوا بسننه .
هامش
( 1 ) روح البيان .
( 2 ) المراغي .