وهذا كالتوطئة لقوله :
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ
؛ أي : وعزتي ، وجلالي لقد فضلنا ورفعنا بعض النبيين والمرسلين على بعض آخر منهم ، بما لهم من الفضائل النفسية ، والمزايا القدسيّة ، وإنزال الكتب السماويّة ، فخصصنا كلّا منهم بفضيلة ومزية ، ففضلنا إبراهيم باتخاذه خليلا ، وموسى بالتكليم ، ومحمدا صلى اللّه عليه وسلم بالقرآن الذي أعجز البشر ، والإسراء والمعراج ؛ أي : إن « 1 » هذا التّفضيل عن علم منه بمن هو أعلى رتبة ، وبمن دونه ، وبمن يستحق مزيد الخصوصية ، بتكثير فضائله ، وفواضله ، ونحو الآية قوله :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ
، ولا خلاف في أنّ أولي العزم منهم ، وهم الخمسة المذكورون في سورة الشورى في قوله :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
أفضل من بقيتهم ، ولا خلاف في أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم أفضلهم ، ثمّ إبراهيم ، فموسى ، فعيسى عليهم السلام ، ثمّ ذكر ما فضّل به داود ، فقال :
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
؛ أي : كتابا مزبورا ؛ أي : إن تفضيل داود لم يكن بالملك ، بل كان بما آتاه اللّه من الكتاب ، وأفرده بالذكر ، لأنه ذكر في الزبور فضل محمد ، وأنه خاتم النبيين ، وأمته خير الأمم ، وكون الأرض يرثها عباد اللّه الصالحون ، وهم محمد صلى اللّه عليه وسلم وأمته كما قال تعالى :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
105 . قال الزجاج ؛ أي : فلا تنكروا تفضيل محمد صلى اللّه عليه وسلم وإعطاءه القرآن ، فقد أعطى اللّه داود زبورا . ا ه .
وفي هذا « 2 » : رد لقول اليهود : لا نبيّ بعد موسى ، ولا كتاب بعد التوراة ، فإذا أعطى اللّه موسى التوراة ، فلا يبعد أن يعطي داود زبورا ، وعيسى الإنجيل ، ومحمدا القرآن ، ولا يبعد أن يفضل محمدا صلى اللّه عليه وسلم على جميع الخلق ، فكيف تنكر اليهود ذلك وكفّار قريش فضل محمد ، وإعطاءه القرآن .
والزبور « 3 » كتاب أنزل على داود يشتمل على مائة وخمسين سورة ، أطولها
هامش
( 1 ) الشوكاني .
( 2 ) المراح .
( 3 ) الفتوحات .