لأنه كان على ثقة من اللّه تعالى أنّهم لن يغلبوه وهو غالبهم .
فعلى هذا « 1 » : يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية إذا صح خبرها ، ويمكن أن تكون هناك حيلة أخرى ، كإطلاق أبخرة أثرت في الأعين ، فجعلتها تبصر ذلك ، أو أنّ الحبال والعصي جعلت على صور الحيات ، وحركت بمحركات خفية سريعة ، لا تدركها أبصار الناظرين .
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى
على لسان جبريل ب
أَنْ أَلْقِ عَصاكَ
فألقاها ، فلما ألقاها
فَإِذا هِيَ
؛ أي : العصا
تَلْقَفُ
؛ أي : تأخذ وتبتلع
ما يَأْفِكُونَ
؛ أي :
ما يكذبون فيه من الحبال والعصى ، ويقلبونه من الحق إلى الباطل ؛ لأنّه لا حقيقة له في الواقع ، بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة ؛ أي « 2 » : ولما ألقى موسى العصا . . صارت حية عظيمة ، حتى سدت الأفق ، ثم فتحت فكها ، فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعا ، وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم ، وكانت حمل ثلاث مائة بعير ، فلما أخذها موسى . . صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم أصلا .
وظاهر السياق « 3 » يقتضي أن إلقاء العصا وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون : الأولى كانت سببا في جمع السحرة ، والثانية بحضرتهم ، فالأولى ذكرت سابقا بقوله :
فَأَلْقى عَصاهُ
الخ ، والثانية هي المذكورة هنا ، ووقع انقلابها حية أيضا مرة أخرى قبل هاتين المرتين ، ولم يكن حاضرا هناك أحد غير موسى ، وقد ذكرت هذه المرة في صورة طه في قوله :
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً
إلى قوله :
قالَ أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
20 .
وقرأ حفص « 4 » :
تَلْقَفُ
، بسكون اللام من لقف ، من باب علم وفهم ، وقرأ باقي السبعة بفتح اللام وتشديد القاف ، من تلقف يتلقف ، من باب تفعل الخماسي ، حذفت إحدى تائيه ، إذ الأصل : تتلقف ، وقرأ البزي بإدغام تاء المضارعة في التاء في الأصل ، وقرأ ابن جبير تلقم بالميم ؛ أي : تبلع كاللقمة
هامش
( 1 ) المراغي .
( 2 ) المراح .
( 3 ) الفتوحات .
( 4 ) البحر المحيط .